ففي تفسير أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود عن أناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: لما فرغ اللّه عز وجل من خلق ما أحب، استوى على العرش، فجعل إبليس ملكا على سماء الدنيا، وكان من الخزان قبله من ملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان أهل الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازنا، فوقع في صدره وقال: ما أعطاني اللّه هذا إلا لمزية لي.
وفي لفظ لمزية لي على الملائكة، فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع اللّه على ذلك منه، فقال اللّه للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا ربنا وما يكون حال الخليفة، وما يصنعون في الأرض؟ قال اللّه: تكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعهم بعضا، قالوا: ربنا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يعني من شأن إبليس، فجعل جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقال الأرض:
إني أعوذ باللّه منك أن تقبض مني، فرجع ولم يأخذ، وقال: رب إنها عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فبعث ملك الموت. فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ باللّه أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط، فلم يأخذ من مكان واحد، فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء. ولذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به قبل الرب عز وجل حتى عاد طينا لازبا، واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ، لخلقه اللّه بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه، فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم منه فزعا إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة، فذلك حين يقول: مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ويقول: لأمر ما خلقت! ودخل من فيه فخرج من دبره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكته، فلما بلغ الحين الذي يريد اللّه جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس، فقالت الملائكة: قل الحمد للّه، فقال:
الحمد للّه، فقال له اللّه: يرحمك ربك.