وجملة القول في هذا الحديث: أنه حديث ليس إسناده بالقائم لأن مسلم ابن يسار ونعيم بن ربيعة جميعا غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره جماعة يطول ذكرهم.
ومراد أبو عمر الأحاديث الدالة على القدر السابق، فإنها هي التي ساقها بعد ذلك، فذكر حديث عبد اللّه بن عمر في القدر وقال في آخره: وسأله رجل من مزينة أو جهينة، فقال: يا رسول اللّه ففيم العمل؟ فقال: «إن أهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ييسرون لعمل أهل النار» .
قال: وروى هذا المعنى في القدر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد اللّه بن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو سريحة الغفاري وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عمرو وعمران بن حصين وعائشة وأنس بن مالك وسراقة بن جعشم وأبو موسى الأشعري وعبادة بن الصامت، وأكثر أحاديث هؤلاء لها طرق شتى ثم ساق كثيرا منها بإسناده.
وأما حديث أبي صالح عن أبي هريرة فإنما يدل على استخراج الذرية وتمثلهم في صور الذر، وكان منهم حينئذ المشرق والمظلم، وليس فيه أنه سبحانه خلق أرواحهم قبل الأجساد وأقرها بموضع واحد، ثم سل كل روح من تلك الأرواح عند حدوث بدنها إليه، نعم هو سبحانه يخص كل بدن بالروح التي قدر أن يكون له في ذلك الوقت، وأما أنه خلق نفس ذلك البدن في ذلك الوقت وفرغ من خلقها وأودعها مكان في معطلة عن بدنها حتى إذا أحدث بدنها أرسلها إليه من ذلك المكان فلا بدل شيء من الأحاديث ذلك البتة لمن تأملها.
وأما حديث أبي بن كعب فليس هو عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وغايته: لو صح، ولم يصح أن يكون من كلام أبي وهذا الإسناد يروي به أشياء
منكرة جدا مرفوعة وموقوفة، وأبو جعفر الرازي وثق وضعف، وقال علي بن المديني: كان ثقة، وقال أيضا: كان يخلط، وقال ابن معين: هو ثقة، وقال أيضا:
يكتب حديثه إلا أنه يخطئ، وقال الإمام أحمد: ليس بقوي في الحديث، وقال أيضا: صالح الحديث، وقال الفلاس: سيئ الحفظ، وقال أبو زرعة: يهم كثيرا، وقال ابن حيان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير.