والنوع الثاني من القياس: أن ينص على حكم لمعنى من المعاني ، ويكون ذلك المعنى موجوداً في غيره ، فإذا قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق بالمعنى المشترك بين الأصل والفرع سوى بينهما ، وكان هذا قياساً صحيحاً .
فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يستعملونهما ، وهما من باب فهم مراد الشارع ، فإن الاستدلال بكلام الشارع يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه ، وعلى أن يعرف مراده باللفظ ، وإذا عرفنا مراده ، فإن علمنا أنه حكم للمعنى المشترك ، لا لمعنى يخص الأصل ، أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك ، وإن علمنا أنه قصد تخصيص الحكم بمورد النص ، منعنا القياس ، كما أنا علمنا أن الحج خص به الكعبة ، وأن الصيام الفرض خص به شهر رمضان ، وأن الاستقبال خص به جهة الكعبة ، وأن المفروض من الصلوات خص به الخمس ، ونحو ذلك ، فإنه يمتنع هنا أن نقيس على المنصوص غيره .
وإذا عين الشارع مكاناً أو زماناً للعبادة ، كتعيين الكعبة وشهر رمضان ، أو عين بعض الأقوال والأفعال ، كتعيين القراءة في الصلاة ، والركوع والسجود ، بل وتعيين التكبير وأم القرآن ، فإلحاق غير المنصوص به يشبه حال أهل اليمن الذين أسقطوا تعيين الأشهر الحرم ، وقالوا: المقصود أربعة أشهر من السنة ، فقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} وقياس الحلال بالنص على الحرام بالنص ، من جنس قياس الذين قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ للَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}