وقد اختلف السلف في وجود مخلوق يبيّن مقدار الجزاء من العمل يسمّى بالميزان توزن فيه الأعمال حقيقة ، فاثبت ذلك الجمهور ونفاه جماعة منهم الضحاك ومجاهد والأعمش ، وقالوا: هو القضاء السوي ، وقد تبع اختلافهم المتأخرون فذهب جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة إلى تفسير الجمهور ، وذهب بعض الأشاعرة المتأخرين وجمهورُ المعتزلة إلى ما ذهب إليه مجاهد والضحاك والأعمش ، والأمر هين ، والاستدلال ليس ببيِّن والمقصود المعنى وليس المقصود آلته.
والإخبار عن الوزن بقوله: {الحق} إن كان الوزن مجازاً عن تعيين مقادير الجزاء فالحق بمعنى العدل ، أي الجزاء عادل غير جائز ، لأنّه من أنواع القضاء والحكم ، وإن كان الوزن تمثيلاً بهيئة الميزان ، فالعدل بمعنى السوي ، أي والوزن يومئذ مساوٍ للأعمال لا يرجح ولا يحجف.
وعلى الوجهين فالإخبار عنه بالمصدر مبالغة في كونه محقاً.
وتفرع على كونه الحق قوله: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} ، فهو تفصيل للوزن ببيان أثره على قدر الموزون.
ومحل التّفريع هو قوله: {فأولئك هم المفلحون} وقوله: فأولئك الذين خسروا أنفسهم إذ ذلك مفرّع على قوله: {فمن ثقلت موازينه} وقوله: ومن خفت موازينه.
وثقل الميزان في المعنى الحقيقي رجحان الميزان بالشّيء الموزون ، وهو هنا مستعار لاعتبار الأعمال الصّالحة غالبة ووافرة ، أي من ثقلت موازينه الصّالحات ، وإنّما لم يذكر ما ثقلت به الموازين لأنّه معلوم من اعتبار الوزن ، لأنّ متعارف النّاس أنّهم يزنون الأشياء المرغوب في شرائِها المتنافس في ضبط مقاديرها والتي يتغابن النّاس فيها.