؛ فلربما يطلع على سر التقدير في الصنعة ، ومآل الأمر في الخلقة والفطرة... ومن أين له هذه القوة والبصيرة؟! ولكن: اعتزاز بنوع فطنة وكياسة في جبلته ، واغترار بضرب إهمال في مهله ؛ فما تمت لهم الصنعة حتى أغرقوا فأدخلوا ناراً.
فحدث بعده السامري وقد نسج على منواله في الصنعة ، حتى أخذ قبضة من أثر الروحاني ، وأراد أن يرقى الشخص الجمادي عن درجته إلى درجة الحيواني ؛ فاخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ، وما أمكنه أن يحدث فيه ما هو أخص أوصاف المتوسط من الكلام والهداية: ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً؟ فانحسر في الطريق... حتى كان من الأمر ما كان ، وقيل: لنحرقنه ، ثم لننسفنه في اليم نسفاً.
ويا عجباً من هذا السر!! حيث: أغرق فرعون فأدخل النار ؛ مكافئة على دعوة الإلهية لنفسه ، وأحرق العجل ثم نسف في اليم ؛ مكافئة على إثبات الإلهية له. وما كان للنار والماء على الحنفاء يد للاستيلاء: قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ؛ فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك... .
هذه مراتب الشرك في الفعل ، والخلق.
ويشبه أن يكون دعوى اللعينين: نمرود ، وفرعون: أنهما إلهان أرضيان كالآلهة السماوية الروحانية: دعوى الإلهية من حيث الأمر لا من حيث الفعل ، والخلق ؛ وإلا ففي زمان كل واحد منهما من هو أكبر منه سناً ، وأقدم في الوجود عليه... فلما ظهر من دعواهما أن الأمر كله لهما ، فقد ادعيا الإلهية لنفسها. وهذا هو الشرك الذي ألزمه المتكلم على الصابئ ؛ فإنه لما ادعى أنه أثبت في الأشخاص ما يقضي به حاجة الخلق ، فقد عاد بالتقدير إلى صنعته ، وو قف بالتدبير على معاملته ؛ فكان الأمر بأن هذا الفعل واجب الإقدام عليه ، وهذا واجب الإحجام عنه أمراً في مقابلة أمر الباري تعالى ، والمتوسط فيه متوسط الأمر ؛ وكان شركاً ؛ إذ لم ينزل الله به سلطاناً ، ولا أقام عليه حجة وبرهاناً.