إن السياق الخاص للمقطع كله بجولتيه يكاد يكون عرضا لمظاهر من قهر الله وحكمته وعلمه، وهي المعاني التي ذكرتها أول آية فيه، ولذلك رأينا في المقطع مظاهر من قهره عزّ وجل في الدنيا وفي الآخرة، ورأينا استعراضا لمظاهر من علمه، ولمظاهر من
حكمته، ولعل آخر آية في المقطع تدل على هذا كله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ
الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
ولقد رأينا أن سياق سورة الأنعام يكاد يكون عرضا لمظاهر خلق الله للأشياء والإنسان، وكيف ينحرف المنحرفون مع ذلك فيشركون ويمترون، ولقد رأينا كيف أن الجولة الأولى من هذا المقطع ركّزت على الشرك وحاورت أهله، وسنرى في هذه الجولة مثل ذلك قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ .. قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا ... وهكذا نجد أن المقطع في جولتيه يمضي على نسق واحد مع السياق الخاص للسورة، وهو مع هذا وهذا يفصّل في محور السورة من سورة البقرة، كما رأينا أدلة ذلك وكما سنرى. فلننتقل الآن إلى التفسير الحرفي للجولة الثانية:
المعنى الحرفي:
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً. أي: ملائكة حافظين لكم، وآخرين حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون ليكون ذلك أزجر للعباد عن ارتكاب الفساد إذا تفكروا أن صحائفهم تقرأ على رءوس الأشهاد حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حتى هنا لغاية حفظ الأعمال أي: وذلك أدب الملائكة مع المكلف مدة الحياة إلى أن يأتيه الممات تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا. أي: استوفت روحه وهم ملك الموت وأعوانه وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ. أي: لا يتوانون ولا يؤخرون