وكذلك نجد أنّ الأذن هي أطول عضو يشعر بالبرودة ؛ لأن درجة حرارتها قليلة ، وهكذا أراد الصانع الأعلى . كما جاء في قوله تعالى: {وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بالحق} [الأنعام: 73]
لقد خلق الحق السماوات والأرض بقوانين ثابتة لا تتغير إلا بمشيئته ، فهو القائل: {لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]
فيامَنْ تريد النظام دليلاً على حكمة الخالق الموجد خذها في النظام الأعلى . ويا من تريد الشذوذ دليلاً على سيطرة الحق فوق الميكانيكية ، خذها في الأفراد ؛ لأنه لو حصل شذوذ في الكون الأعلى لفسدت السماوات والأرض ، لكن عندما يوجد أعمى واحد من ألف إنسان ، فلا يحدث خلل في الكون ، ولذلك نجد الشذوذ إنما يأتي فيما فيه عوض ، والنظام يأتي فيما في تركه فساد ، كما يقول سبحانه: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق} [الأنعام: 73]
وبذلك نرى الإيجاد الأول بالحق ، وأيضاً حين يهدم سبحانه السماء والأرض وينهي الدنيا ويزيلها ، فتمور السماء ، والكواكب تنتثر وتتساقط ؛ فإن ذلك يحدث أيضاً بالحق ، فليس الخلق والإيجاد وحده دليلاً على عظمة الخالق بل إنهاء الخلق وإفناؤه وإزالته أيضاً دليل عظمة ؛ لأنه سبحانه قال في البدء:"كن"فكان الكون ، وفي النهاية يقول:"كن"فيكون إنهاء الخلق ليعطي للمحسن جزاء إحسانه ، ويحاسب المسيء ؛ لأن المحسن قد يشقى بإحسانه طول عمره ، ولا بد له من ثواب ، والمسيء لن يأخذ راحته بل يأخذ عقاباً . فمن الخير والعظمة أن تنتهي الحياة ليأتي يوم الحساب لينال كلٌُّ جزاءه .
إذن فخلق السماوات والأرض حق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق ، فالحق في الإيجاد والحق في الإعدام ، إنّه حاصل في بدء الخلق ، وفي نهايته .
{وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور عَالِمُ الغيب والشهادة وَهُوَ الحكيم الخبير} [الأنعام: 73]