وهكذا يكون قهر الله لنا ، لمصلحتنا نحن ؛ لأن الضعيف حين يقهره جبار ، يمكنه أن يقول: الله هو القهار الأعلى ، وفي هذا تذكير للقوى نسبياً أن هناك قهاراً فوق كل الكائنات ، فالله قهار فوق الجميع ، وبذلك يرتدع القوي عن قهره ، فيمتنع عن الذنب ، وتمتنع عنه العقوبة ، وفي ذلك رحمة له .
{وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} [الأنعام: 61] .
وجاء معنى"الحفظة"في القرآن في قوله الحق: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] .
فكل لفظ له رقيب عتيد ، حفظة أي ملائكة يحفظون ويحصون أعمالكم ويسجلونها وهم الكرام الكاتبون ، وكلما تقدم العلم أعطانا فهماً للمعاني الغيبية ، وإن كانت المعاني الغيبية التي نستقبلها عن الله دليلنا فيها السماع ، ففيه رقيب وعتيد يكتبان فقط ، هكذا قال ربنا فآمنا بما قال وانتهت المسألة ، وهذا هو المطلوب . ولذلك قال الحق: {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب} [البقرة: 3] .
لأن الإيمان لو كان بالمشهد فما الفرق - إذن - بين الناس؟ إن الإيمان في كماله وقمته هو الإيمان بالغيب ، فإذا قال الحق سبحانه وتعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] .
فهذا خبر عن الملائكة الذين يكتبون الحسنات ، ويكتبون السيئات . وحين ننظر إلى البشر ، نجدهم يتفاوتون ويرتفع بعض منهم على بعض في صفات وقدرات ، وكلما تقدّم الزمن عرف الإنسان سِراً من أسرار الله يترقى به .
وقديماً عندما صنعوا جهاز التسجيل كان حجمه كبيراً ثم تقدم العلم حتى صغر حجم المسجل ، إذن كلما تقدمت الصنعة صغرت الآلة ، لدرجة أنهم صنعوا مسجلاً يشبه الحبوب ، وينثرونها في أي مكان عندما يريدون التقاط أسرار جماعة أو أسرار مجلس ، إذن كلما قويت قدرة الصانع دقت الصنعة . فإذا نسبتها لله ، فأين دقة الذي صنعته أنت بجانب دقة صنعة الله؟