لأن ضمير المتكلم معه دليله ، إنّ المتكلم يقول: أنا ، ويخاطبك فيقول: أنت . لكن الذي يتكلم بضمير الغيبة لا بد أن يعود الضمير على مرجع لهذا الضمير . وحين يتكلم الحق عن ذاته بما يسمى لدينا ضمير الغيبة فإنه - سبحانه - يريد أن يبين لنا أنه في أجلىَ مجال المشاهدة والحضور ؛ فكأنه إذا قال"هو"لا تنصرف إلا إلى ذاته العليا ؛ فكأنه لا يوجد مرجع ضمير إلا هو ، ولذلك يقول: {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] .
وسبحانه يقول:"هو"قبل أن يذكر المرجع ، وهو"الله"؛ مع أن الأصل في المرجع أن يتقدم ، ولكنه يقول: {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]
فكأنه إذا أُطلِق هذا الضمير فلا ينصرف إلا إلى ذاته . وحين يتكلم بضمير المتكلم نراه يتكلم عن ذاته بضمير الإفراد فيقول: {إنني أَنَا الله} [طه: 14] .
ويقول مرة أخرى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
لماذا؟ . إنه سبحانه إن تكلم عن فعل من أفعاله نجد أن كل فعل من أفعاله يتطلب صفات الكمال كلها فيه ، لأنه يتطلب علماً بما يتكلم به ، ويتطلب قدرة لإبرازه ، ويتطلب حكمة ، ويتطلب صفات كثيرة ، فإذا قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
فالتنزيل فعل ، والفعل يقتضي صفات متعددة . فلا بد أن يأتي بضمير التعظيم وهو الجمع ؛ لأن كل صفات الكمال متجلية في التنزيل .
ولكن إن تكلم عن الذات في التوحيد لا يأتي بضمير الجمع أبداً ؛ لأنه يريد أن تنفي عن ذاته أنه متعدد ؛ لأنه هو الواحد الذي لا شريك له ، فحين يتكلم عن الذات يقول: {إنني أَنَا الله ...} [طه: 14] .
وحين يتكلم عن الذكر يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ...} [الحجر: 9] .