فالمطلوب - إذن - من الذين يستمعون إلى الرسل أن يقبلوا على اختيار الإيمان ، وأن يستمعوا إلى جوهر المنهج وأن يطبقوه . فمن آمن منهم وأصلح فلا خوف عليه لأنه قد ضمن الفوز العظيم ، ولا يصيبه أو يناله حزن ، لأن ناتج عمله كله يلقاه في كتابه يوم القيامة . والإيمان هو اطمئنان القلب إلى قضية عقدية لا تطفو إلى الذهن لتناقش من جديد . ولذلك نسمي الإيمان عقيدة ، أي شيئاً انعقد عقداً لا ينحل أبداً .
إنّ على المؤمن بربه أن يستحضر الأدلة والآيات التي تجعل إيمانه بربه إيماناً قوياً معقوداً ؛ وهذا عمل القلب . ويعرف المؤمن أن عمل القلب لا يكفي كتعبير عن الإيمان ؛ لأن الكائن الحي ليس قلباً فقط ، ولكنه قلب وجوارح وأجهزة متعددة ، وكل الكائن الحي المؤمن يجب أن ينقاد إلى منهج ربه ، فلا بد من التعبير عن الإيمان بأن يصلح الإنسان كل عمل فيؤديه بجوارحه أداء صحيحا سليما .
إنني أقول ذلك حتى يسمع الذي يقول: إن قلبي مؤمن وسليم . لا ، فليست المسألة في الإيمان هكذا ، صحيح أنك آمنت بقلبك ولكن لماذا عطلت كل جوارحك عن أداء مطلوب الإيمان؟ لماذا لا تعطي عقلك فرصة ليتدبر ويفكر ويخطط ويتذكر ، لماذا لا تعطي العين فرصة لتعتبر وتستفيد من معطيات ما ترى؟ وكذلك اليد ، واللسان ، والأذن ، والقدم ، وكل الجوارح .
والإصلاح هو عمل الجوارح ، فيفكر الإنسان بعقله في الفكرة التي تنفع الناس ، ويسمع القول فيتبع أحسنه ، ويصلح بيديه كل ما يقوم به من أعمال . ويعلم المؤمن أنه حين أقبل على الكون وجده محكماً غاية الإحكام ، ويرى الإنسان الأشياء التي لا دخل له فيها في هذا الكون وهي على أعلى درجات الصلاحية الراقية ، فالمطر ينزل في مواسمه ، والرياح تهب في مواسمها ومساراتها ، وحركة الشمس تنتظم مع حركة الأرض ، وكل عمل في النواميس العليا هو على الصلاح المطلق .