وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ النَّحْوِيَّةِ أَنَّ"إِذَا"مِنْ قَوْلِهِ: (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) هِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْفُجَائِيَّةَ لِإِفَادَتِهَا تَرَتُّبُ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا فَجْأَةً ، وَهِيَ حَرْفٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ ، وَظَرْفُ زَمَانٍ
أَوْ مَكَانٍ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ (قَوْلَانِ) مَنْصُوبَةٌ بِخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ ، فَالْمَعْنَى عَلَيْهِ هُنَا أَنَّهُمْ أَبْلَسُوا فِي مَكَانِ إِقَامَتِهِمْ أَوْ فِي زَمَانِهَا ، عَلَى أَنَّ الْفَاءَ وَحْدَهَا تُفِيدُ التَّعْقِيبَ ، وَهُوَ تَرَتُّبُ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ"فَهُمْ مُبْلِسُونَ"وَبَيْنَ"فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ"عَظِيمٌ ، لَا يَخْفَى عَلَى ذِي ذَوْقٍ سَلِيمٍ . فَذَاكَ خَبَرٌ مُجَرَّدٌ ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِمَعْنًى مُؤَكَّدٍ مُجَدَّدٍ .
(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أَيْ فَهَلَكَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الشِّرْكِ وَأَعْمَالِهِ ، وَاسْتُؤْصِلُوا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ . كَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِقَطْعِ دَابِرِهِمْ ، وَهُوَ آخَرُ الْقَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِي أَدْبَارِهِمْ ، وَقِيلَ: دَابِرُهُمْ أَصْلُهُمْ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، وَالْأَصْمَعِيِّ مِنْ نَقَلَةِ اللُّغَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاحِدٌ ، وَوَضَعَ الْمُظْهَرَ الْمَوْصُوفَ بِالْمَوْصُولِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ ؛ لِلْإِشْعَارِ بِعِلَّةِ الْإِهْلَاكِ وَسَبَبِهِ وَهُوَ الظُّلْمُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ زُهُوقِ الْبَاطِلِ فَظُهُورِ الْحَقِّ .