وإن لم يشك في أمره وكان بينا عنده من أول الأمر أنه طيب صالح للتغذي أراده إذا علم بوجوده من غير ترو أو تفكر ، ولم ينفك العلم به عن إرادة التصرف فيه قطعا .
فمحصل حديث الاختيار أن الإنسان إذا لم يتميز عنده بعض الأمور التي يتصرف فيها أنها نافعة أو ضارة ميز ذلك بالتروى والتفكر فاختار أحد الجانبين أو الجوانب وأما لو تميز من أول الأمر أراده ففعله من غير مهل ولم يحتج إلى ترو أصلا فالإنسان يختار ما يرى نفعه بترو أو من غير ترو ولا تروى إلا لرفع الموانع عن الحكم .
ثم إنك إذا تأملت حال أفراد الإنسان المختارين في أفعالهم وجدتهم ذوى اختلاف شديد في مبادى اختيارهم أعنى الصفات الروحيةوالأحوال الباطنية من شجاعة وجبن وعفة وشره ونشاط وكسل ووقار وخفة ، وكذا في قوة التعقل وضعفه وإصابة النظر وخطائه فكثيرا ما يرى الشره نفسه مضطرة مسلوبة الاختيار في موارد يشتهى الانهماك فيها لا يعبأ بأمرها العفيف المتطهر ، وربما يرى الجبان أدنى أذى يصيبه في مهمة أو مقتلة عذرا لنفسه ينفى عنه الاختيار ، ولا يرى الشجاع الباسل الابى عن الضيم الموت الاحمر وأى زجر بدنى أمرا فوق الطاقة ، ولا يرى لاى مصيبة هائلة في سبيل مقاصده من بأس ، وربما اختار السفيه خفيف العقل بأدنى تصور واه ، ولا يرى العاقل اللبيب ترجيح الفعل بإمثال تلك المرجحات إلا تلهيا ولعبا ، وأفعال الصبيان غير المميزين اختيارية معها بعض التروي ولا يعبأ بها وبأمرها البالغ الرشيد ، وكثيرا ما نعد في محاوراتنا فعلا من أفعالنا اضطراريا أو إجباريا إذا قارن إعذارا اجتماعية غير ملزمة بحسب الحقيقة كشارب الدخان يعتذر بالعادة ، والنومة يعتذر بالكسل والسارق أو الخائن يعتذر بالفقر .