وهذه السنة المكتوبة له تجمعها كلمتان: البعث إلى الخير والطاعة ، والزجر عن الشر والمعصية ، وإن شئت قلت: الدعوة إلى العدل والاستقامة ، والنهي عن الظلم والانحراف عن الحق فإن الإنسان بفطرته السليمة يستحسن أمورا هي العدل في نفسه أو غيره ، ويستقبح أمورا هي الظلم على نفسه أو غيره ثم الدين الإلهى يؤيدها ويشرح له تفاصيلها .
وهذا محصل ما تبين لنا في كثير من الابحاث السابقة وكثير من الآيات القرآنية
تفيد ذلك وتؤيده كقوله تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (الشمس: 10) ، وقوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) (البقره: 213) .
والإمعان في التفكر في أطوار الحيوانات العجم التي تزامل الإنسان في كثير من شئون الحياة ، وأحوال نوع منها في مسير حياتها وتعيشها يدلنا على أن لها كالإنسان عقائد وآراء فردية واجتماعية تبنى عليها حركاتها وسكناتها في ابتغاء البقاء نظيرة ما يبنى الإنسان تقلباته في أطوار الحياة الدنيا على سلسلة من العقائد والاراء .
فالواحد منا يشتهى الغذاء والنكاح أو الولد أو غير ذلك ، أو يكره الضيم أو الفقر أو غير ذلك فيلوح له من الرأي أن من الواجب أن يطلب الغذاء أو يأكله أو يدخره في ملكه ، وأن يتزوج وأن ينسل وهكذا ، وأن من الممنوع المحرم عليه أن يصبر على ضيم أو يتحمل مصيبة الفقر وهكذا فيتحرك ويسكن على طبق ما اتخد له هذه الاراء اللائحة لنفسه من الطريق .