وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ الْبَشَرَ فِي حَالَتِهِمُ الْعَادِيَّةِ غَيْرِ مُسْتَعِدِّينَ لِرُؤْيَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ فِي حَالَتِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الشَّيْطَانِ: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) (7: 27) لَا لِأَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَهَا لِهَوْلِهَا ، بَلْ لِأَنَّ أَبْصَارَ الْبَشَرِ لَا تُدْرِكُ كُلَّ الْمَوْجُودَاتِ ، بَلْ تُدْرِكُ فِي عَالَمِهَا هَذَا بَعْضَ الْأَجْسَامِ كَالْمَاءِ وَمَا هُوَ أَكْثَفُ مِنْهُ مِنَ الْأَجْرَامِ الْمُلَوَّنَةِ دُونَ مَا هُوَ أَلْطَفُ مِنْهُ كَالْهَوَاءِ ، وَمَا هُوَ أَلْطَفُ مِنْهُ كَالْعَنَاصِرِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي يَتَأَلَّفُ مِنْهَا الْمَاءُ وَالْهَوَاءُ ، وَالْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ مِنْ عَالَمٍ آخَرَ غَيْبِيٍّ أَلْطَفُ مِمَّا ذُكِرَ ، وَهَذَا الْعَالَمُ مِمَّا يَعُدُّهُ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي الْفَلْسَفَةِ وَرَاءَ عَالَمِ الْمَادَّةِ ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ عَالَمٌ غَيْرَ مَادِّيٍّ ، وَلِذَلِكَ يَعُدُّونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْجِنَّ مِنَ الْأَجْسَامِ اللَّطِيفَةِ ، وَيَقُولُونَ إِنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى التَّشَكُّلِ فِي صُوَرِ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ ، فَمَثَلَ تَشَكُّلِهِمْ كَمَثَلِ تَشَكُّلِ الْمَاءِ فِي صُورَةِ الْبُخَارِ اللَّطِيفِ وَالْبُخَارِ الْكَثِيفِ وَصُورَةِ الْمَائِعِ السَّيَّالِ وَصُورَةِ الثَّلْجِ وَالْجَلِيدِ ، وَلَكِنَّ الْمَاءَ يَتَشَكَّلُ بِمَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ حَرٍّ وَبَرْدٍ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، وَذَانِكَ يَتَشَكَّلَانِ بِاخْتِيَارِهِمَا ، إِذْ جَعَلَ اللهُ لَهُمَا سُلْطَانًا عَلَى الْعَنَاصِرِ الَّتِي تَتَرَكَّبُ مِنْهَا مَادَّةُ الْعَالَمِ أَقْوَى مِنْ سُلْطَانِ الْبَشَرِ الَّذِينَ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا