بِأَيْدِيهِمْ لَا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَاهِيَّاتِهِمْ ، فَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى تَحْلِيلِ أَبْدَانِهِمْ وَتَرْكِيبِهَا مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْمَوَادِّ ، فَإِذَا تَمَثَّلَ الْمَلَكُ أَوِ الْجَانُّ فِي صُورَةٍ كَثِيفَةٍ كَصُورَةِ الْبَشَرِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَمْكَنَ لِلْبَشَرِ أَنْ يَرَوْهُ ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَهُ عَلَى صُورَتِهِ وَخِلْقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ وَسُنَّةِ اللهِ فِي خَلْقِ عَالَمِهِ وَعَالَمِهَا ، فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ
كَرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ كَانَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ ، وَالْخَوَارِقُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِنَصٍّ; لِأَنَّهَا خِلَافُ الْأَصْلِ ، عَلَى أَنَّ رُؤْيَتَهُ بِصُورَتِهِ لَا يُنَافِي التَّشَكُّلَ ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَادَّةُ صُورَتِهِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي لَا تُرَى قَدْ ظَهَرَتْ بِمَادَّةٍ كَثِيفَةٍ فَيَكُونُ التَّشَكُّلُ فِي هَذَا الْحَالَةِ بِمَادَّةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ حِفْظِ الصُّورَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَالتَّشَكُّلِ فِي غَيْرِهَا بِالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ مَعًا ، عَلَى أَنَّ لِأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ
مِنَ التَّنَاسُبِ مَعَ أَرْوَاحِ الْمَلَائِكَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا ، فَفِي الْحَالِ الَّتِي تَغْلِبُ بِهَا رَوْحَانِيَّتهِمْ عَلَى جُثْمَانِيَّتِهِمْ يَكُونُونَ كَالْمَلَائِكَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَرَوْهُمْ بِأَيِّ صُورَةٍ وَشَكْلٍ تَجَلَّوْا فِيهِ .