هَذَا وَأَنَّ مَا لَا يُرَى قَدْ يُدْرَكُ بِضْرِبٍ مِنْ ضُرُوبِ الْإِدْرَاكِ غَيْرَ الرُّؤْيَةِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَلَكُ مَخْلُوقًا عَالِمًا ، وَكَانَ فِي لَطَافَتِهِ مِنْ قَبِيلِ الْأَرْوَاحِ الْمَوْجُودَةِ فِي هَذَا الْكَوْنِ نَوْعٌ مِنَ الِاتِّصَالِ يَقْتَبِسُ بِهِ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ كَمَا يَقْتَبِسُ الْبَشَرُ بَعْضَ الْعِلْمِ الْبَشَرِيِّ مِنَ الْجَوِّ ، إِذْ يَبُثُّ الْأَخْبَارَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِالْآلَاتِ الْكَهْرَبَائِيَّةِ (الْمَعْرُوفَةِ بِالتِّلِغْرَافِ اللَّاسِلْكِي أَوِ الْأَثِيرِيِّ وَالْهَوَائِيِّ) وَيَقْتَبِسُهَا آخَرُونَ ؟ بَلْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَنْفُسَ الْبَشَرِيَّةَ يَقْتَبِسُ بَعْضُهَا الْعِلْمَ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ بَشَرًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ بَشَرٍ بِغَيْرِ وَسَاطَةِ الْحَوَاسِّ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْعَقْلِيِّ كَمَا رَوَى بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ الْمَادِّيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذَا عَنْ مَرِيضٍ كَانَ يُعَالِجُهُ فِي الْقَاهِرَةِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ فُلَانًا وَذَكَرَ قَرِيبًا لَهُ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُرِيدُ أَنْ يُسَافِرَ الْآنَ إِلَى مِصْرَ لِأَجْلِ عِيَادَتِي ، ثُمَّ إِنَّهُ عَيَّنَ الْقِطَارَ الْحَدِيدِيَّ الَّذِي رَكِبَ فِيهِ ثُمَّ الْوَقْتَ الَّذِي وَصَلَ فِيهِ إِلَى مَحَطَّةِ مِصْرَ ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ إِلَّا مَسَافَةَ سَيْرِ الْمَرْكَبَةِ بَيْنَ الْمَحَطَّةِ وَدَارِ الْمَرِيضِ إِلَّا وَقَدْ وَصَلَ هَذَا الْقَرِيبُ ، وَكَانَ يَنْتَظِرُهُ لِاسْتِبَانَةِ الْمُكَاشَفَةِ ذَلِكَ الطَّبِيبُ ، وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُكَاشَفَاتِ ، وَمِثْلُ هَذِهِ يَقَعُ كَثِيرًا فِي كُلِّ عَصْرٍ ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَبِسُوهَا مِنْ أَحْيَاءِ الْبَشَرِ وَمِنْ غَيْرِ الْبَشَرِ مِنَ الْأَشْيَاءِ