(قالَ هذا رَبِّي) على سبيل التنزل إلى قول الخصم، وإن كان فاسدًا فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم، ثم يَكرّ عليه بالفساد لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأقرب إلى رجوع الخصم.
(فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي) إنما ذكَّر الإشارة لتذكير الخبر، وصيانةً للرب عن شبهة التأنيث هذا أَكْبَرُ لكبر النور وسطوعه أكثر، (فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) من الأجرام المحدثة المحسوسة، المحتاجة إلى محدث يحدثها، ومخصص يخصصها.
وإنما احتج بالأفول دون البزوغ، مع أنه تغير لأن الأفول أظهر في الدلالة لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب.
ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال.
وقيل: إن هذا الاستدلال والاحتجاج كان في حال طفولته قبل التكليف. فقد رُوِي أنه لما ولدته أمه في غار، خوفًا من نمرود إذ كان يقتل الأطفال لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي يُولد في هذا العصر، فكان يستدل بما رأى على توحيد ربه، وهو في الغار، وهذا ضعيف لأن قوله: (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) يقتضى المحاجة والمخاصمة لقومه.
وقوله عليه السلام: (هذا رَبِّي) مع قوله (إِنِّي سَقِيمٌ) و (فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) ، ليس بكذب للعصمة، وإنما هو تورية.
وفي الحديث: «ليس بكاذبٍ من كاذَب ظالمًا، أو دفع ضررًا، أو رعى حقًا، أو حفظ قلبا» .
وفي رواية أخرى: «ليس بكاذب، من قال خيرًا أو نواه» .
وأما اعتذاره في حديث الشفاعة فلهول المطلع، فيقع الحذر من أدنى شيء . والله تعالى أعلم.
(الإشارة)