وقال أبو السعود: أي: ما تركنا في القرآن شيئاً من الأشياء المهمة التي من جملتها بيان أنه تعالى مراع لمصالح جميع مخلوقاته .
قال الشهاب في قول البيضاوي (فإنه قد دوّن فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلاً أو مجملاً) : يشير إلى أن ما ثبت بالأدلة الثلاثة ثابت بالقرآن ، لإشارته بنحو قوله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] . إلى القياس . وقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] ، إلى السنّة . بل قيل: إنه بهذه الطريقة يمكن استنباط جميع الأشياء منه . كما سأل بعض الملحدين بعضهم عن طبخ الحلوى ، أين ذكر في القرآن ؟ فقال: في قوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] . انتهى .
واستظهر الرازي أن المراد (بالكتاب) القرآن . واحتج بأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد ، انصرف إلى المعهود السابق ، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن . فوجب أن يكون المراد من (الكتاب) في هذه الآية القرآن . إذا ثبت هذا ، فلقائل أن يقول: كيف قال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب ، وتفاصيل علم الحساب ، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم . وليس فيه أيضاً تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع ؟
والجواب: أن قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} يجب أن يكون مخصوصاً ببيان الأشياء التي يجب معرفتها ، والإحاطة بها ، وبيانه من وجهين:
الأول - أن لفظ (التفريط) لا يستعل نفياً ولا إثباتاً ، إلا فيما يجب أن يبين ، لأن أحداً لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه ، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه .