والمشركون بالله يفاجئهم الحق يوم القيامة بأنه لا إله إلا هو ، ويحاولون الكذب لمحاولة الإفلات من العقوبة فيقولون: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} . وهم قد كذبوا بالله في الحياة فعلاً ويريدون الكذب على الله في اليوم الآخر قولاً ، ولكن الله عليهم بخفايا الصدور وما كان من السلوك في الحياة الدنيا ، ويوضح لهم في الآخرة أعمالهم ويعاقبهم العقاب الأليم .
وحين يسألهم الحق: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ} ؟ ففي هذا القول استفهام من الله ، والاستفهام من العليم لا يقصد منه العلم ، وإنما يقصد به الإقرار مِن المسئول . وفي حياتنا اليومية يمكننا أن نرى السؤال من التلميذ لأستاذه ؛ ليعلم التلميذ ما يجهل . ونرى السؤال يرد مرة بعد أخرى من الأستاذ لتلميذه لا ليعلم ما لم يعلم ، ولكن ليقرر التلميذ بما يعلمه وبما تعلمه من أستاذه . فإذا سأل الحق خلقه سؤالاً ، أيسألهم سبحانه ليعلم؟ حاشا لله أن يكون الأمر كذلك . وإنما يسأل الحق عباده ليكون سؤال إقرار . والإقرار هنا فيه تبكيت أيضاً ؛ لأنه سؤال لا جواب له ، فمعاذ الله أن يوجد له شركاء . وعندما يقول الحق لهم: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ} ؟ فمعنى ذلك هو الاستبعاد أن يوجد له سبحانه شركاء .
وبذلك يوبخهم ويبكتهم الحق على أنهم أشركوا بالله ما لا وجود له .
لقد أشركوا بالله في الدنيا لمجرد التخلص من موجبات الإيمان . وها هم أولاء في المشهد العظيم يعرفون قدر كذبهم في الدنيا ، فلا ملك لأحد إلا الله ، ولا معبود سواه ، فينطقون بما يشهدون: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} .
ولقائل أن يقول: ولكن هناك في موضع آخر من القرآن نجد أن الله يقول في حق مثل هؤلاء: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 34 - 36] .