والجواب عن ذلك أن معجزات الأنبياء السابقين كانت تقع ولا يعلم بها على اليقين إلا الذين عاينوها وشاهدوها، والذين من بعدهم لَا يعلمونها إلا بالخبر الذي لَا شك فيه. أما شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنها باقية خالدة إلى يوم الدين فلا بد أن تكون معجزاتها قائمة حاملة معنى الإعجاز والتحدي ما دامت الشريعة قائمة خالدة، فلا بد أن يكون القرآن الكريم حجتها خالدا بخلودها.
والنص القرآني الذي نتكلم فيه اشتمل على أمور ثلاثة:
أولها - بيان أنه المعجزة المثبتة لصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكر ذلك بالإشارة، إذ قال: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ) وقد ثبت بالتحدي عجزهم عن أن يأتوا بمثله.
ثانيها - أنه مشتمل على الإنذار للمشركين والمخالفين والعصاة إن استمروا على غيهم، ولم يستجيبوا لنداء ربهم، ودعوة نبيهم إلى الوحدانية والفضيلة، وتكون مجتمع سليم نقي.
ثالثها - أن النص يتضمن أن القرآن حجة وإنذار لكل منِ بلغه سواء خاطبه
النبي - صلى الله عليه وسلم - أم بلغه، وقد بين ذلك قوله تعالى: (لأُنذِرَكم بِهِ وَمن بَلَغَ) أي أن من بلغ القرآن فهو مخاطب به، سواء أكان من العرب أم كان من العجم، وكأنه خاطبه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولقد روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"بلغوا عن الله تعالى، فمن بلغته آية من كتاب الله تعالى فقد بلغه أمر الله"، وروي عن جمع من التابعين أنهم كانوا يقولون: (من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد - صلى الله عليه وسلم) . وإن هذا النص يستفاد منه أمران:
أولهما - أن من لم يبلغه القرآن ولا يعلم عنه شيئا، فإنه لَا يعتبر قد بلغته الدعوة الإسلامية، وإثمه على الذين تقاصروا عن تبليغها وبيانها.
ثانيهما - أنه لَا معذرة لمن يعرف القرآن، في الكفر بالحقائق الإسلامية.
ولكن كيف التبليغ بالقرآن، والعجمة سائدة في هذا الوجود سواء أكانت إنجليزية أو فرنسية أو غيرهما؟