قال أصحاب المعاني: (في هذه الآية دلالة أن(شيئًا) من أسماء الله عز وجل، وأنه يجوز أن يسمى شيئًا؛ لأن قوله: {أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} جاء جوابه {قُلِ اللَّهُ} ، ومعنى الشهادة البينة من طريق المشاهدة، ونظم هذه الآية مثل نظم قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية [الأنعام: 12] ، وقد ذكرناه. وقال مجاهد: (أمر أن يسأل قريشًا، ثم أمر أن يخبرهم فيقول: {اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} ) .
وقال أبو إسحاق: (أمر الله عز وجل نبيه بأن يحتج عليهم ويعلمهم أن شهادة الله عز وجل بأنه واحد، وإقامة البراهين في توحيده ونبوة نبيه أكبر شهادة، وأن القرآن الذي أتى به يشهد له أنه رسول الله، فقال: {قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي: الله الذي اعترفتم بأنه خالق السماوات والأرض والظلمات والنور) .
وقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} ، هذا احتجاج للنبي - صلى الله عليه وسلم - على من أنكر نبوته؛ لأنه لم يأت أحد بمثله في إخباره عما سيكون وكان حقًّا، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] ، فعصمه حين لم يقتل مع تظاهر أعدائه عليه، وقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] ثم أظهر دين الإِسلام على سائر الأديان، وقال لليهود - وكانوا أعز قوم في وقتهم -: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} [البقرة: 61] ، فهم أذلاء إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: {وَمَنْ بَلَغَ} قال ابن عباس: (يريد من أمتي إلى يوم القيامة) .
قال الفراء: (والمعنى: ومن بلغه القرآن من بعدكم. و {بَلَغَ} : صلة لمن، ونصبت {مَنْ} بالإنذار) ، والعائد إلى الموصول محذوف، كقولك: الذي رأيت زيد، ومن ضربت عمرو، وقد مرَّ قبيل، والعلماء على أن من بلغته آية من كتاب الله فهو ممن بلغته الدعوة.