وأمّا هو فيلتذّ بكلّ ما يلتذّ به الملتذّون ، مع اختصاصه بأمر لا يشارك فيه وهو تنعّمه باستجلائه حسن كماله وما تشتمل عليه مرتبته من الجهة التي تلائم حاله حين الاستجلاء ، فافهم ، فهذا عزيز جدّا.
ودون صاحب هذا الحال فِي النعيم فِي الدنيا من وافقت مراداته الطبيعيّة والنفسانيّة مراد الحقّ منه وعلمه فيه ، مع ملاحظة ذلك فِي كثير من الأوقات ، وإنّما قلت: فِي كثير من الأوقات لاستحالة دوام ذلك فِي كلّ حال.
ومثله أو دونه بيسير من تمكّن من الإبراز إلى الحسّ بكل ما تنشئه إرادته فِي ذهنه ، وهذا التمكّن شرط فِي الكمال لا الظهور به ، وإنّما جعلت هذه الرتبة بعد الرتبة الأولى لأنّ صاحب هذا التمكّن لا بدّ وأن يكون متعوبا من جهات أخرى ، هي من لوازم هذا التمكّن دون انفكاك ، فاعلم ذلك.
وأكثر الناس تألّما فِي الدنيا من كثرت فيه الأمانيّ الشهيّة التي لم يقدّر الحقّ ظهورها في
الخارج ، مع نقص عزائمه فِي أكثر ما يتوخّاه ، وشظف العيش ، أعاذنا الله من ذلك.
مراتب الرضا الإنساني
ثم نرجع ونقول: واعلم ، أنّ للرضا""
المثمر للنعم والتنعّم بها فِي عرصة أحوال الإنسان أيضا ثلاث مراتب ، كما هو الأمر فِي جانب الحقّ.
فأوّل درجاته فيه رضاه من حيث الباطن عن عقله ، وما زيّن له من الأحوال والأعمال التي يباشرها ، هذا عموما وأخصّ منه
ما ورد من ذكر المؤمن له: رضيت بالله ربّا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلّى اللّه عليه وآله نبيّا
، ومن حيث الظاهر رضاه عن ربّه بما تعيّن له منه من صور الأعمال والأحوال الظاهرة ، التي يتقلّب فيها فِي حياته الدنيا ومعاشه ، دون قلق مزعج يتمرّر به العيش ، لا أنّه يطمئنّ ويسكن دون تمنّ وتشهّ فإنّ ذلك من أحكام المرتبة الثانية ، وإنّما أعني ما عليه أكثر الناس من أهل الحرف والصنائع وأمثالهما.