ومثله قول مؤمني الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} (سورة الجن: 10) ، فحذف الفاعل في إرادة الشر تأدبا مع الله، وأضافوا إرادة الرشد إليه.
وقريب من هذا قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السّلام، في خطابه لمّا اجتمع أبوه وإخوته: {إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} (سورة يوسف: 100) ، ولم يقل: «من الجبّ» مع أن الخروج منه أعظم من الخروج من السجن.
وإنما آثر ذكر السجن لوجهين ذكرهما ابن عطية:
أحدهما: أنّ في ذكر الجبّ تجديد فعل إخوته، وتقريعهم بذلك وتقليع نفوسهم، وتجديد تلك الغوائل وتخييب النفوس.
والثاني: أنه خرج من الجبّ إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، والنعمة هنا أوضح انتهى.
وأيضا ولأن بين الحالين بونا من ثلاثة أوجه: قصر المدة في الجب وطولها في السجن، وأن الجبّ كان في حال صغره، ولا يعقل فيها المصيبة، ولا تؤثر في النفس كتأثيرها في حال الكبر.
والثالث أن أمر الجبّ كان بغيا وظلما لأجل الحسد وأمر السجن كان لعقوبة أمر دينيّ هو منزّه عنه، وكان أمكن في نفسه. والله أعلم بمراده.
ومثله قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلى نِسَائِكُمْ} (سورة البقرة: 187) ، وقال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} (سورة النساء: 24) ، فحذف الفاعل عند ذكر الرفث وهو الجماع، وصرح به عند إحلال العقد.
وقال تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (سورة المائدة: 3) ، فحذف الفاعل عند ذكر هذه الأمور.
وقال: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (الأنعام: 151) .
وقال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (سورة البقرة: 275) ونظائر ذلك كثيرة في القرآن.
وقال السهيليّ في كتاب «الإعلام» في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السّلام: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} (سورة مريم: 52) وقال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ} (سورة القصص: 44) ، والمكان المشار إليه واحد، قال: