وتأمل قوله: {فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} (سورة يوسف: 34) فأضافه إلى نفسه، حيث صرفه، ولما ذكر السجن أضافه إليهم فقال: {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} (سورة يوسف: 35) وإن كان سبحانه هو الذي سبّب السجن له، وأضاف ما منه الرحمة إليه، وما منه الشدة إليهم.
ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} (سورة الشعراء: 80) ولم يقل: «أمرضني» .
وتأمل جواب الخضر عليه السّلام عمّا فعله، حيث قال في إعابة السفينة:
{فَأَرَدْتُ} (سورة الكهف: 79) وقال في الغلام: {فَأَرَدْنَا} (سورة الكهف: 81) وفي إقامة الجدار: {فَأَرَادَ رَبُّكَ} (سورة الكهف: 82) .
قال الشيخ صفيّ الدين بن أبي المنصور في كتاب «فك الأزرار عن عنق الأسرار» : لما أراد ذكر العيب للسفينة نسبه لنفسه أدبا مع الربوبية، فقال: «فأردت» : ولما كان قتل الغلام مشترك الحكم بين المحمود والمذموم، استتبع نفسه مع الحق، فقال في الإخبار بنون الاستتباع، ليكون المحمود من الفعل وهو راحة أبويه المؤمنين من كفره عائدا على الحق سبحانه، والمذموم ظاهرا وهو قتل الغلام بغير حق عائدا عليه. وفي إقامة الجدار كان خيرا محضا، فنسبه للحق فقال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ} ، ثم بيّن أن الجميع من حيث العلم التوحيديّ من الحق، بقوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} (سورة الكهف: 82) .
وقال ابن عطية: إنما أفرد أولا في الإرادة لأنها لفظ غيب، وتأدّب بأن لم يسند الإرادة فيها [إلّا] إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم عليه السّلام في قوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} (سورة الشعراء: 80) ، فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله تعالى، وأسند المرض إلى نفسه، إذ هو معنى نقص ومعابة، وليس من جنس النعم المتقدمة.
وهذا النوع مطّرد في فصاحة القرآن كثيرا، ألا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (سورة الصف: 5) ! وتقديم فعل الله في قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} (سورة التوبة: 118) : وإنما قال الخضر في الثانية: {فَأَرَدْنَا} ، لأنه قد أراده الله وأصحابه الصالحون، وتكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين، وتمنّى التبديل لهما وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله تعالى لأنها أمر مستأنف في الزمن الطويل، غيب من الغيوب، فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى.