كيف وقد ذكرت مريم وهي صدّيقة على أحد القولين! ولو سلّم أنها في الأنبياء خاصة، فهم بعض من أنعم الله عليهم، وجعلهم في آية النساء صنفا من المنعم عليهم، فكانت آية النساء من حيث هي عامة أولى بتفسير قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولأنّ آية مريم ليس فيها إلّا الإخبار بأن الله أنعم عليهم، وذلك هو معنى قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} والرغبة إلى الله تعالى في الثّبات عليها، هي نفس الطاعة لله ولرسوله، فإن العبد إذا هدي إلى الصراط المستقيم، فقد هدي إلى الطاعة المقتضية أن يكون مع المنعم عليهم. وظهر بهذا أن آية النساء أمسّ بتفسير سورة الحمد من الآية التي في سورة مريم.
(فائدة)
في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} تقدّم اليهود لأنهم كانوا أسبق من النصارى، ولأنهم كانوا أقرب إلى المؤمنين بالمجاورة.
(فائدة لغوية)
تكون «لا» زائدة، في مواضع: الأول: بعد حرف العطف المتقدّم عليه النفي أو النهي، فتجيء مؤكدة له كقولك: ما جاءني زيد ولا عمرو، وقوله تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ} (سورة سبأ: 37) .
{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} (سورة المائدة: 103) .
وقوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} .
قال أبو عبيدة: وقيل: إنما دخلت هنا مزيلة لتوهم أن {الضَّالِّينَ} هم {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ، والعرب تنعت بالواو، وتقول: مررت بالظريف والعاقل. فدخلت لإزالة التوهم وقيل: لئلا يتوهم عطف {الضَّالِّينَ} على {الَّذِينَ} .
(فصل في التأدّب في الخطاب بإضافة الخير إلى الله)
وإن كان الكلّ بيده، كقوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، ثم قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ، ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم.
وقوله: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} (سورة آل عمران: 26) ، ولم يقل: «وبيدك الشر» ،
وإن كانا جميعا بيده لكن الخير يضاف إلى الله تعالى إرادة محبة ورضا، والشر لا يضاف إليه إلّا إلى مفعولاته لأنه لا يضاف إلى صفاته ولا أفعاله، بل كلّها كمال لا نقص فيه. وهذا معنى قوله: «والشرّ ليس إليك» وهو أولى من تفسير من فسره: بأنه لا يتقرّب به إليك.