ثم إن فِي اختيار وصف الصراط المستقيم بأنه صراط الذين أنعمتَ عليهم دون بقية أوصافه تمهيداً لبساط الإجابة فإن الكريم إذا قلت له أعطني كما أعطيتَ فلاناً كان ذلك أَنْشَطَ لكرمه ، كما قرره الشيخ الجد قدس الله سره فِي قوله صلى الله عليه وسلم"كما صليتَ على إبراهيم"، فيقول السائلون: إهدنا الصراط المستقيم الصراط الذين هديت إليه عبيد نعمك مع ما فِي ذلك من التعريض بطلب أن يكونوا لاحقين فِي مرتبة الهدى بأولئك المنعم عليهم ، وتهمماً بالاقتداء بهم فِي الأخذ بالأسباب التي ارتقوا بها إلى تلك الدرجات ، قال تعالى: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة}
[الممتحنة: 6] ، وتوطئةً لما سيأتي بعد من التبرئ من أحوال المغضوب عليهم والضالين فتضمن ذلك تفاؤلاً وتعوذاً.
والنعمة بالكسر وبالفتح مشتقة من النعيم وهو راحة العيش ومُلائم الإنسان والترفه ، والفعل كسمع ونصر وضرب.
والنعمة الحالة الحسنة لأن بناء الفعلة بالكسر للهيئات ومتعلق النعمة اللذاتُ الحسية ثم استعملت فِي اللذات المعنوية العائدة بالنفع ولو لم يحس بها صاحبها.
فالمراد من النعمة فِي قوله: {الذين أنعمت عليهم}
النعمةُ التي لم يَشُبْها ما يكدرها ولا تكون عاقبتها سُوأَى ، فهي شاملة لخيرات الدنيا الخالصة من العواقب السيئة ولخيرات الآخرة ، وهي الأهم ، فيشمل النعم الدنيوية الموهوبيَّ منها والكسبيَّ ، والرُّوحانيَّ والجثماني ، ويشمل النعم الأخروية.
والنعمة بهذا المعنى يرجع معظمها إلى الهداية ، فإن الهداية إلى الكسبي من الدنيويّ وإلى الأخرويّ كلِّه ظاهرة فيها حقيقة الهداية ، ولأن الموهوب فِي الدنيا وإن كان حاصلاً بلا كسب إلا أن الهداية تتعلق بحسن استعماله فيما وُهب لأجله.