وفي صحة ذلك، فسادُ قول أهل القدَر الزاعمين أنّ كل مأمور بأمرٍ أو مكلَّف فرضًا، فقد أعطي من المعونة عليه، ما قد ارتفعت معه فِي ذلك الفرض حاجتُه إلى ربِّه. لأنه لو كان الأمرُ على ما قالوا فِي ذلك، لبطَلَ معنى قول الله جل ثناؤه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) . وفي صحة معنى ذلك، على ما بيَّنا، فسادُ قولهم.
وقد زعم بعضُهم أنّ معنى قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) : أسْلِكنا طريق الجنة فِي المعاد، أيْ قدِّمنا له وامض بنا إليه، كما قال جلّ ثناؤه: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) [سورة الصافات: 23] ، أي أدخلوهم النار، كما تُهْدَى المرأة إلى زوجها، يُعني بذلك أنها تُدخَل إليه، وكما تُهدَى الهديَّة إلى الرجل، وكما تَهدِي الساقَ القدمُ، نظير قَول طَرفة بن العبد:
لَعبتْ بَعْدِي السُّيُولُ بهِ ... وجَرَى فِي رَوْنَقٍ رِهمُهْ
لِلفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ ... حَيْثُ تَهْدِي سَاقَه قَدَمُهْ
أي تَرِدُ به الموارد.
وفي قول الله جل ثناؤه (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ما ينبئ عن خطأ هذا التأويل، مع شهادة الحجة من المفسِّرين على تخطئته. وذلك أنّ جميع المفسرين من الصحابة والتابعين مجمِعُون على أنّ معنى"الصراط"فِي هذا الموضع، غيرُ المعنى الذي تأوله قائل هذا القول، وأن قوله:"إياك نستعينُ"مسألةُ العبدِ ربَّه المعونةَ على عبادته. فكذلك قوله"اهْدِنا"إنما هو مسألةُ الثباتِ على الهدى فيما بقي من عُمُره.