ثم (السيد) يسمى ربًّا وإن لم يكن مالكا على الحقيقة، قال الله تعالى: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42] . وقال الأعشى:
وَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَه.
أي: سيدها.
والله تعالى ربُّ كل شيء أي: مالكه، وهو السيد على الحقيقة.
وقال بعض أهل اللغة: المعنى الثاني راجع إلى الأول الذي هو بمعنى التربية وقيل للمالك: (رب) لأنه يرب مملوكه، ويملك تربيته وتنشئته، والسيد رب لأنه مالك.
فأما ما يذهب إليه المتكلمون أنه لم يزل ربًّا، وأن هذا من صفة الذات، وقولهم: إن معناه الثابت الدائم، من قولهم: (ربُّ بالمكان) إذا أقام به. فهذا لا يعرفه أهل اللغة، وليس يصح ربَّ بمعنى: أقام، وأربَّ بمعنى: أقام صحيح، فان أمكن بناء هذا الاسم من الإرباب صح قولهم.
وقوله تعالى: {الْعَالَمِينَ} : هو جمع (عالم) على وزن (فَاعَل) ، كما قالوا: خَاتَم، وطَابَع، ودَانَق، وقَالَب، واختلفوا في اشتقاقه على وجهين: فمنهم من قال: اشتقاقه من (العَلَم) و (العلامة) ، وذلك أن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه، فالعالم اسم عام لجميع المخلوقات، يدل على هذا قول الناس: (العالم محدث) يريدون به جميع المخلوقات، وهذا قول الحسن ومجاهد وقتادة في تفسير العالم: إنه جميع المخلوقات. ولدل على هذا القول من التنزيل قوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: 23، 24] فسر العالمين بجميع المخلوقات. ومنهم من قال: إنه مشتق من العِلْم.
فالعالمون على هذا هم من يعقل، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والإنس.
واختاره أبو الهيثم والأزهري، واحتجوا بقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] وإنما بعث محمد نذيرا للجن والإنس. وقال الحسين بن الفضل وأبو معاذ النحوي: هم بنو آدم، لقوله: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) } [الشعراء: 165] .
وقال الفراء وأبو عبيدة: هو عبارة عما يعقل، وهو أربع أمم:
الملائكة والإنس والجن والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالم.
وقد ذكر الله تعالى {الْعَالَمِينَ} وأراد به أهل عصر واحد، وهو قوله لبني إسرائيل: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 47] يعني عالمي زمانهم.