ومعلوم أن البحث عن هذه الأقسام التي ذكرناها للمتحيزات مشتمل على ألوف ألوف من المسائل ، بل الإنسان لو ترك الكل وأراد أن يحيط علمه بعجائب المعادن المتولدة فِي أرحام الجبال من الفلزات والأحجار الصافية وأنواع الكباريت والزرانيخ والأملاح ، وأن يعرف عجائب أحوال النبات مع ما فيها من الأزهار والأنوار والثمار ، وعجائب أقسام الحيوانات من البهائم والوحوش والطيور والحشرات لنفد عمره فِي أقل القليل من هذه المطالب ، ولا ينتهي إلى غورها كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَّا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله} [لقمان: 27] وهي بأسرها وأجمعها داخلة تحت قوله {رَبّ العالمين} .
رحمة الله تعالى بعباده لا تنحصر أنواعها:
وأما قوله تعالى: {الرحمن الرحيم}
فاعلم أن الرحمة عبارة عن التخليص من أنواع الآفات ، وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات ، أما التخليص عن أقسام الآفات فلا يمكن معرفته إلا بعد معرفة أقسام الآفات ، وهي كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى ، ومن شاء أن يقف على قليل منها فليطالع"كتب الطب"حتى يقف عقله على أقسام الأسقام التي يمكن تولدها فِي كل واحد من الأعضاء والأجزاء ، ثم يتأمل فِي أنه تعالى كيف هدى عقول الخلق إلى معرفة أقسام الأغذية والأدوية من المعادن والنبات والحيوان ، فإنه إذا خاض فِي هذا الباب وجده بحراً لا ساحل له.
وقد حكى جالينوس أنه لما صنف كتابه فِي منافع أعضاء العين قال: بخلت على الناس بذكر حكمة الله تعالى فِي تخليق العصبين المجوفين ملتقيين على موضع واحد ، فرأيت فِي النوم كأن ملكاً نزل من السماء وقال يا جالينوس ، إن إلهك يقول: لم بخلت على عبادي