بذكر حكمتي ؟ قال: فانتبهت فصنفت فيه كتاباً ، وقال أيضاً: إن طحالي قد غلظ فعالجته بكل ما عرفت فلم ينفع ، فرأيت فِي الهيكل كأن ملكاً نزل من السماء وأمرني بفصد العرق الذي بين الخنصر والبنصر ؛ وأكثر علامات الطب فِي أوائلها تنتهي إلى أمثال هذه التنبيهات والإلهامات ، فإذا وقف الإنسان على أمثال هذه المباحث عرف أن أقسام رحمة الله تعالى على عباده خارجة عن الضبط والإحصاء.
أحوال الآخرة وتقسيمها إلى عقلية وسمعية:
وأما قوله تعالى: {مالك يَوْمِ الدين}
فاعلم أن الإنسان كالمسافر فِي هذه الدنيا ، وسنوه كالفراسخ ، وشهوره كالأميال ، وأنفاسه كالخطوات ، ومقصده الوصول إلى عالم أخراه ؛ لأن هناك يحصل الفوز بالباقيات الصالحات ، فإذا شاهد فِي الطريق أنواع هذه العجائب فِي ملكوت الأرض والسماوات فلينظر أنه كيف يكون عجائب حال عالم الآخرة فِي الغبطة والبهجة والسعادة ، إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {مالك يَوْمِ الدين}
إشارة إلى مسائل المعاد والحشر والنشر ، وهي قسمان: بعضها عقلية محضة ، وبعضها سمعية: أما العقلية المحضة فكقولنا: هذا العالم يمكن تخريبه وإعدامه ، ثم يمكن إعادته مرة أخرى ، وإن هذا الإنسان بعد موته تمكن إعادته ، وهذا الباب لا يتم إلا بالبحث عن حقيقة جوهر النفس ، وكيفية أحوالها وصفاتها ، وكيفية بقائها بعد البدن ، وكيفية سعادتها وشقاوتها ، وبيان قدرة الله عزّ وجلّ على إعادتها ، وهذه المباحث لا تتم إلا بما يقرب من خمسمائة مسألة من المباحث الدقيقة العقلية.
وأما السمعيات فهي على ثلاثة أقسام: أحدها: الأحوال التي توجد عند قيام القيامة ، وتلك العلامات منها صغيرة ، ومنها كبيرة وهي العلامات العشرة التي سنذكرها ونذكر أحوالها.
وثانيها: الأحوال التي توجد عند قيام القيامة ، وهي كيفية النفخ فِي الصور ، وموت الخلائق ، وتخريب السماوات والكواكب ، وموت الروحانيين والجسمانيين.