والآخر: الاستحقاق نحو: (الجُلُّ للدابة) أي: استحقته ولابسته، وكذلك (الباب للدار) . وهذِه الجارة مكسورة مع المظهر، ومفتوحة مع المضمر، وإنما كسرت مع المظهر وكان من حقها الفتح؛ لأنا ذكرنا أن هذِه الحروف التي تستعمل على واحدة حقها الفتح، وكسرت مع المظهر للفرق
بينها وبين (لام الابتداء) وذلك قولك في الملك: (إن زيدا لهذا) أي: في ملكه، و (إن زيدا لهذا) أي: هو هو، فلو فتحت في الموضعين لالتبس معنى الملك بمعنى الابتداء.
وإنما كسرت الجارة وتركت (لام الابتداء) بحالها مفتوحة؛ لأن أول أحوال الاسم هو الابتداء، وإنما يدخل الناصب والجار والرافع على المبتدأ فلما كان المبتدأ متقدما في المرتبة، وكان فتح هذِه اللام هو الأول المتقدم من حالتها، جعل الفتح الذي هو أول مع الابتداء الذي هو أول، ولما كان الكسر فيها إنما هو ثان غير أول، جعل مع الذي هو تبع للابتداء، هذا هو القياس.
وقوله تعالى {رَبِّ الْعَالَمِينَ} : (الرب) في اللغة له معنيان: أحدهما: أن يكون معناه من الرب بمعنى التربية.
قال الأصمعي: (رب فلان الصنيعة يَرُبُّها رَبًّا إذا أتمها وأصلحها) قال: ويقال: فلان رَبَّ نِحْيَهُ يَرُبُّه رَبًّا إذا جعل فيه الرُّبَّ ومتَّنَهُ به، وهي نِحْيٌ مَرْبُوب وهذا - أيضًا - عائد إلى معنى التربية والإصلاح. قال الشاعر:
فَإِنْ كُنْتِ مِنِّي أَوْ تُرِيدِين صُحْبَتِي ... فَكُونِي لَهُ كَالسَّمْنِ رُبَّتْ لَهُ الأَدَم
وتقول: رَبَّ الشيء يَرُبُّه ربوبًا فهو رَبٌّ، مثل: (بَرّ وَطَبّ) ، إذا تممه وأصلحه، قال الشاعر:
يَرُبُّ الذِّي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أَنَّهُ ... إذَا فَعَلَ المَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا
فالمعنى على هذا أنه يربي الخلق ويغذوهم بما ينعم عليهم.
الثاني: أن يكون الرب بمعنى المالك، يقال: رب الشيء إذا ملكه، ورببت فلانا، أي: كنت فوقه.
ومنه قول صفوان بن أمية: لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش أحب إِلي من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن يعني: أن يكون ربًا فوقي، وسيدًا يملكني. وكل
من ملك شيئا فهو ربّه، يقال: هو ربّ الدار وربّ الضيعة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل:"أَرَبُّ إِبلٍ أنت أم رَبُّ غنم؟"، وقال النابغة:
فَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ... أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا