الفائدة الثانية عشرة: الحمد لله كلمة شريفة جليلة لكن لا بدّ من ذكرها فِي موضعها وإلا لم يحصل المقصود منها ، قيل للسري السقطي: كيف يجب الإتيان بالطاعة ؟ قال: أنا منذ ثلاثين سنة أستغفر الله عن قولي مرة واحدة الحمد لله ، فقيل كيف ذلك ؟ قال: وقع الحريق فِي بغداد واحترقت الدكاكين والدور فأخبروني أن دكاني لم يحترق فقلت الحمد لله وكان معناه أني فرحت ببقاء دكاني حال احتراق دكاكين الناس وكان حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك فأنا فِي الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قولي الحمد لله ، فثبت بهذا أن هذه الكلمة وإن كانت جليلة القدر إلا أنه يجب رعاية موضعها ، ثم إن نعم الله على العبد كثيرة ، إلا أنها بحسب القسمة الأولى محصورة فِي نوعين: نعم الدنيا ، ونعم الدين ، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا لوجوه كثيرة ، وقولنا الحمد لله كلمة جليلة شريفة فيجب على العاقل إجلال هذه الكلمة من أن يذكرها فِي مقابلة نعم الدنيا ، بل يجب أن لا يذكرها إلا عند الفوز بنعم الدين ، ثم نعم الدين قسمان: أعمال الجوارح ، وأعمال القلوب ، القسم الثاني: أشرف ، ثم نعم الدنيا قسمان: تارة تعتبر تلك النعم من حيث هي نعم ، وتارة تعتبر من حيث إنها عطية المنعم ، والقسم الثاني: أشرف ، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يكون ذكر قولنا الحمد لله موافقاً لموضعه لائقاً بسببه.
الفائدة الثالثة عشرة: أول كلمة ذكرها أبونا آدم هو قوله الحمد لله ، وآخر كلمة يذكرها أهل الجنة هو قولنا الحمد لله ، أما الأول: فلأنه لما بلغ الروح إلى سرته عطس فقال الحمد لله رب العالمين ، وأما الثاني: فهو قوله تعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}
[يونس: 10] ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد ، فاجتهد حتى يكون أول أعمالك وآخرها مقروناً بهذه الكلمة فإن الإنسان عالم صغير فيجب أن تكون أحواله موافقة لأحوال العالم الكبير.