الفائدة الرابعة عشرة: من الناس من قال: تقدير الكلام قولوا الحمد لله ، وهذا عندي ضعيف ، لأن الإضمار إنما يصار إليه ليصح الكلام ، وهذا الإضمار يوجب فساد الكلام والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن قوله الحمد لله إخبار عن كون الحمد حقاً له وملكاً له ، وهذا كلام تام فِي نفسه ، فلا حاجة إلى الإضمار.
الثاني: أن قوله الحمد لله يدل على كونه تعالى مستحقاً للحمد بحسب ذاته وبحسب أفعاله سواء حمدوه أو لم يحمدوه ، لأن ما بالذات أعلى وأجل مما بالغير.
الثالث: ذكروا مسألة فِي الواقعات وهي أنه لا ينبغي للوالد أن يقول لولده إعمل كذا وكذا ، لأنه يجوز أن لا يمتثل أمره فيأثم ، بل يقول إن كذا وكذا يجب أن يفعل ، ثم إذا كان الولد كريماً فإنه يجيبه ويطيعه ، وإن كان عاقا لم يشافهه بالرد ، فيكون إثمه أقل ، فكذلك ههنا قال الله تعالى الحمد لله فمن كان مطيعاً حمده ، ومن كان عاصياً كان إثمه أقل.
الفائدة الخامسة عشرة: تمسكت الجبرية والقدرية بقوله الحمد لله: أما الجبرية فقد تمسكوا به من وجوه: الأول: أن كل من كان فعله أشرف وأكمل وكانت النعمة الصادرة عنه أعلى وأفضل كان استحقاقه للحمد أكثر ، ولا شك أن أشرف المخلوقات هو الإيمان ، فلو كان الإيمان فعلاً للعبد لكان استحقاق العبد للحمد أولى وأجل من استحقاق الله له ولما لم يكن كذلك علمنا أن الإيمان حصل بخلق الله لا بخلق العبد ، الثاني: أجمعت الأمة على قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان لو كان الإيمان فعلاً للعبد وما كان فعلاً لله لكان قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان باطلاً فإن حمد الفاعل على ما لا يكون فعلاً له باطن قبيح لقوله تعالى: