فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 12520 من 466147

(مع النص الحكيم السامي)

قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) }

قال لسان الدين ابن الخطيب - ولله دره:

الْحَمد لله الَّذِي لَهُ الْحِكْمَة الْبَالِغَة، وَالنعْمَة السابغة، وَالْملك الْكَبِير، وَبِيَدِهِ الْخلق وَالْأَمر والإنشاء، وَالْفضل، يؤتيه من يَشَاء. وَهُوَ الْحَيّ الْحَلِيم المريد الْقَدِير، الْوَاحِد الْأَحَد، الَّذِي لَا يحول بَقَاؤُهُ، وَإِن حَال الزَّمَان، وَطَالَ الأمد الْفَرد، الَّذِي اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الْعدَد، والصاحبة وَالْولد، فَلَا يُدْرِكهُ فِي ذَاته، بِتَعَدُّد صِفَاته، التكثير، الْملك الْحق الَّذِي غنى بعز جبروته، فِي عَظِيم ملكوته، عَن الأعوان والظهراء، والصاحبة والوزراء، والأمثال والنظراء، فَلَا ينجده الْمعِين، وَلَا يرشده النصيح، وَلَا يُشَارِكهُ الْوَزير الْحَكِيم، الَّذِي فتق رتق الأكوان، على اخْتِلَاف الصُّور والألوان، وَقد تعاقب الملوان، وَأعْطى كل شَيْء خلقه، من الجماد والنبات وَالْحَيَوَان. فأذعن لَهُ الإبداع، وانقاد لَهُ الاختراع، وأطاعه التَّصْوِير.

أضلّ وَهدى، وَتفرد بالوحدانية، فَلم يتَّخذ صَاحِبَة وَلَا ولدا، وأحصى مدارج الحركات، ومدارك اللحظات، فيعينه مَا يظنّ وَظهر وَرَاح وَغدا، وَحصر شوارد الأنفاس، وأشخاص الْأَجْنَاس، فأحاط بِكُل شَيْء علما، وأحصى كل شَيْء عددا. (أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير) .

تجلى للْأَبْصَار البصائر نور جَلَاله، فاض على السَّمَاوَات وَالْأَرْض، عميم جوده، وكريم نواله، وامتن على الْوُجُود بمنحه قبل استمناحه وسؤاله، فَهُوَ الْغَنِيّ الْمَحْض، وَمن سواهُ فَهُوَ، الْفَقِير.

وَالْحَمْد لله الَّذِي فضل نوع الْإِنْسَان، وَخَصه بمزيد الإنعام وَالْإِحْسَان، وحباه بِفضل الْعقل، وَفضل اللِّسَان، فأمكنه الإفصاح عَن مقاصده الحسان وَالتَّعْبِير، وابتداه بجزيل نعماية، وَاعْتَمدهُ بعميم آلايه، وصوره من الطين اللازب بيد إنشائه، وَنفخ فِيهِ من روحه، وأسجد لَهُ الملايكة سمايه، وَاخْتَارَ مِنْهُ صفرَة أوليايه، ونخبة أنبيايه، وَجعله محلا لقبوله، وَأهلا لاصطفائه،، وَأعد لأَجله دَاري جزايه. وحسبك فخارا يُشِير إِلَيْهِ المشير.

وَالْحَمْد لله الَّذِي رفع بنية السَّمَاء والقبة الشماء، مَا اتخذ لَهَا عمادا، وَجعل الأَرْض فراشا لَهَا ومهادا، وَالْجِبَال الراسية أوتادا، وَأَنْشَأَ الْبشر، لما ذَرأ وَنشر، من نفس وَاحِدَة، بَث مِنْهَا أعدادا، وَضرب لَهُم من بعد الْحَيَاة ميعادا، فَمِنْهُ النشأة، وَإِلَيْهِ الْمصير.

وتبارك الله رب الْعَالمين، الَّذِي نطق الْحَيّ والجماد من تَعْظِيمه بِلِسَان، واعترف الْخلق أَنه الْحق، وكل من عَلَيْهَا فان.

وَثَبت ببديهة الْحق وجوده، من غير اعْتِبَار مَكَان، وَلَا بسبوق زمَان، وَأَلْقَتْ الموجودات إِلَى حكم قدرته يَد الإذعان، فَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ، مَا بَين سر وإعلان. ونعوذ بِاللَّه، من سخطه ونستجير، وَسُبْحَان من أنشأ النُّفُوس البشرية وسواها، وأدار على من اصْطفى مِنْهَا، وَاخْتَارَ كؤوس مَعْرفَته حَتَّى رَوَاهَا، وأرشدها بِنور الإلهام فِي ظلمات الْأَرْحَام، إِلَى الْوُقُوف بربوع توحيده والإلمام، وَقد مَال بهَا عَن الجادة هَواهَا، وَعظم الْأَرْحَام إِلَى جعل تقواه مقترنة بتقواها، فوضح حَقّهَا الأكيد، وَظهر قدرهَا الْكَبِير.

ونحمده، وَله الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة، ونثني عَلَيْهِ بِمَا على نَفسه، اثنى من صِفَاته الْعلي، وأسمايه الْحسنى ونشكره على نعمه الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة، ونعترف لملكه الْحق، بعجز الْعُقُول الذاهلة، والنفوس الْقَاهِرَة، فَكلما بهرت الْأَلْبَاب منته الوافرة، وآلاؤه المتوافرة، فشأننا الْعَجز، وصفتنا التَّقْصِير.

ونشهد أَنه الله الَّذِي لَا آله إِلَّا هُوَ، ثَبت فِي بالبديهة وجوده فَلَا يسع جَهله، لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا فعله، بِيَدِهِ الْخلق، وَالْأَمر، وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله، عين المقاسم والمواهب جوده وفضله، وأجرى الأقدار على حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ وَاخْتَارَهُ حكمه وعدله. يحط وَيرْفَع، وَيُعْطِي وَيمْنَع، لَا يسل عَمَّا يفعل، وَلَا يعْتَرض، فِيمَا يصنع، بِمَا اقتضته الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالتَّدْبِير، شَهَادَة تتأرج نفحات الْإِخْلَاص من أزهارها، وتتخلق أكوان الأردان، من شذا معطارها، وتسفر غرر التَّوْحِيد من مطالع أسرارها، وتضيء أرجاء الْوُجُود أشعة نجومها وأقمارها، وتستفاد كنوز الْيَقِين من مكامن أسرارها، ونجدها عتادا إِذا زخرفت الْجنان وسعرت السعير. انتهى انتهى. {ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب، لـ لسان الدين ابن الخطيب. صـ 101 - 103} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت