وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرف رجاله معرفة وثيقة عميقة دقيقة ؛ ويعرف من خصائص كل منهم ما لا يعرفه كل منهم عن نفسه! وفي السيرة من هذا الكثير من الشواهد على خبرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكل واحد من رجاله ؛ وخبرته كذلك بالرجال والقبائل التي كانت تحاربه.. خبرة القائد البصير بكل ما حوله ومن حوله.. في دقة عجيبة.. لم تدرس بعد الدراسة الواجبة.
وليس هذا موضوعنا. ولكن موضوعنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم. ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجئ لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها. وكان الله - سبحانه - يعلم طبيعة هذا"الإنسان"الذي خلقه ؛ وحدود طاقته ؛ فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين ، إلا ما هو ميسر للجميع ؛ حين تصح العزيمة ، وتعتدل الفطرة ، وينوي العبد الطاعة ، ولا يستهتر ولا يستهين.
وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة ؛ في مواجهة الدعوات الهدامة ؛ التي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية ، والتلبط في الوحل كالدود! بحجة أن هذا هو"واقع"الإنسان ، وطبيعته وفطرته وحدود طاقته! وأن الدين دعوة"مثالية"لم تجئ لتحقق في واقع الأرض ؛ وإذا نهض بتكاليفها فرد ، فإن مائة لا يطيقون!
هذه دعوى كاذبة أولاً ؛ وخادعة ثانياً ؛ وجاهلة ثالثاً.. لأنها لا تفهم"الإنسان"ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه ، الذي فرض عليه تكاليف الدين ؛ وهو يعلم - سبحانه - أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي. لأن الدين لم يجئ للقلائل الممتازين!
وإن هي إلا العزيمة - عزيمة الفرد العادي - وإخلاص النية. والبدء في الطريق. وعندئذ يكون ما يعد الله به العاملين:
ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً. وإذا لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً.
ولهديناهم صراطاً مستقيماً..