وقتل النفس ، والخروج من الديار.. مثلان للتكاليف الشاقة ، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم. وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس ؛ وأن ينكل عنها عامة الناس. بل المراد أن يؤديها الجميع ، وأن يقدر عليها الجميع ، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية ؛ وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس ، وطبقات الهمم ، وطبقات الاستعدادات ؛ وأن ينميها جميعاً ويرقيها ، في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض!
قال ابن جريج: حدثنا المثنى إسحاق أبو الأزهر ، عن إسماعيل ،"عن أبي إسحاق السبيعي قال: لما نزلت: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} ... الآية: قال رجل: لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا.. فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي".
وروى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن مصعب بن ثابت. عن عمه"عامر بن عبدالله بن الزبير. قال: لما نزلت {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم".
وفي رواية له - بإسناده -"عن شريح بن عبيد: قال: لما تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم...} الآية ، أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى عبدالله ابن رواحة ، فقال: لو أن الله كتب هذا ، لكان هذا من أولئك القليل".