أن يلحق بعضهم بمن ترجحت حسناته على سيئاته ، بل جوزوا أن يرفع عليه فِي الدرجة. فهم موكلون عندهم إلى محض المشيئة لا يدرى ما يفعل الله بهم ، بل يرجأُ أمرهم إلى الله وحكمه ، وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء والصوفية وغيرهم.
فهذه الأقوال [هى] التي يعرفها أكثر الناس ، ولا يحكى أهل الكلام غيرها ، وقول الصحابة والتابعين وأئمة الحديث لا [يعرفونه] ولا يحكونه [وهو] الذي ذكرناه عن ابن عباس وحذيفة وابن مسعود [رضي الله عنهم] أن من ترجحت سيئاته بواحدة دخل النار.
وهؤلاء هم القسم الذين جاءَت فيهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم يدخلون النار فيكونون فيها على مقدار أعمالهم: فمنهم من تأْخذه النار إلى كعبيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ويلبثون فيها على قدر أعمالهم ، ثم يخرجون منها ، فينبتون على [أنهار] الجنة: فيفيض عليهم أهل الجنة من الماءِ حتى تنبت أجسادهم ، ثم يدخلون الجنة. وهم الطبقة الذين يخرجون من النار بشفاعة الشافعين ، وهم الذين يأْمر الله سيد الشفعاءِ مراراً أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان.
وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يكونون فيها على قدر أعمالهم مع قوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] [النحل: 32 ، الزخرف 72 ، الطور: 19 السجدة: 14 ، المرسلات: 43] .
الطبقة الرابعة عشرة: قوم لا طاعة لهم ولا معصية ، ولا كفر ولا إيمان.
وهؤلاء أصناف: منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع لها بخبر ، ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئاً ولا يميز ، ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئاً أبداً ، ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئاً.
فاختلفت الأُمة فِي حكم هذه الطبقة اختلافاً كثيراً.