والخلق كلهم متساوون فكان يجب إن اختلطوا أن تكون المسألة مشاعاً بينهم ، لكن طبيعة النفس الشُحّ ، فتنازعوا ، ولذلك فالقاضي الذكي يقول للمتخاصِمَيْن: أتريدان أن أحكم بينكما بالعدل أم بما هو خير من العدل ؟ فيفزعان ويقولان: أهناك خير من العدل ؟. يقول: نعم إنه الفضل ، فما دامت المسألة أخوة واحدة ، والخير عندك كالخير عندي فلا نزاع ، أمَّا إذا حدث الشجار فلا بد من الفصل.
ومن الذي يفصل ؟. إنه سيدنا رسول الله بحكم قول الحق: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} .
.فالإيمان ليس قوله تقال فحسب وإنما هو قولة لها وظيفة ، فأن تقول لا إله إلا الله وتشهد أن محمداً رسول الله فلا بد أن لهذا القول وظيفة ، وأن تُحكِم حركة حياتك على ضوء هذا القول ، فلا معبود إلا الله ، ولا آمر إلا الله ، ولا نافع إلا الله ، ولا ضار إلا الله ، ولا مشرع إلا الله ، فهي ليست كلمة تقولها فقط! وينتهي الأمر ، ثم عندما يأتيك أمر يحتاج إلى تطبيقها تفرّ منه. {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} بمنهج الإسلام {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ} فهذا هو التطبيق {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ولا يصح أن يحكموك صورياً ، بل لا بدّ أن يحكموك برضا في التحكيم ، {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً} أي ضيقاً {مِّمَّا قَضَيْتَ} . فعندما يحكم رسول الله لا تتوانوا عن حكمه, ولا تضيقوا به {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي يُذْعِنُوا إذعاناً.