إننا نسألكم بالله, ونسألكم نخوة نأملها في قلوب بعضكم, ونسألكم رأفة بنواح الثكالى واليتامى وأنين الجرحى وصراخ المصابين وآلام المشردين المضطهدين؛ أن تسارعوا لذلك, أن تسارعوا لذلك .
العودة موقد شعلة الجهاد وسر انتصاره
لاشك أن الجهاد هو الوسيلة القوية الذي بها يتحقق رد الأعداء بإذن الله, ولكن ذلك لا يكون بالشكل الحقيقي والكامل والكافي والأمة في لهوها وبعدها عن أوامر الله، ذكرت ذلك حتى لا يفهم خطأً أن بعض الكلام السابق يقلل من أهمية الجهاد,..فلا شك أننا ننتظره ونتمنى انطلاقته القوية في واقع الأمة كلها وليس من أفرادٍ معدودين منها فقط,.. ولكن هذا الجهاد المنتظر بالانطلاقة المرجوة يحتاج إلى وجود وحصول عودة صادقة لله وتطبيق لأوامره, فالعودة إلى الله والالتزام بأوامره هو أكبر محرك وباعث للجهاد في الأمة, بل إن ترك الجهاد هو أحد مظاهر البعد عن الدين والالتزام بأوامر الله.والعودة إلى الله هي التي تنشئ وتربي المجتمعات الإسلامية التي تنطلق بصدق للجهاد في سبيل الله.
ثم إن من أهم أسباب وأسس تحقق النصر للأمة عندما تجاهد هو بعدها عن الذنوب والمعاصي والتزام أمر الله في كل صغيرة وكبيرة, فكم من الهزائم وتأخر النصر حدثت للأمة بعد حدوث ذنب أو معصية, وليتنا نرجع إلى الدروس الكبيرة في هذا الشأن من غزوة أحد كما ذكر في كتب التفسير وغيرها, قال تعالى: ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ) ( آل عمران:165) .
بل حتى أن دخول العجب إلى المسلمين وحدوث ضعف في اتكالهم على الله يكون من أسباب الهزيمة، ففي غزوة حنين تأخر النصر وكادت أن تحصل الهزيمة للمسلمين عندما أعجبوا بأنفسهم, ..انظر كلام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد عن ذلك (211) .
قال تعالى: ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) (التوبة:25) .
وكتب أبوبكر رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص عندما أخبره عن كثافة جيش هرقل بإزاء جيش المسلمين: ( إنكم لا تغلبون بقلة عددكم وإنما تغلبون بالمعاصي على كثرة عددكم فاحترسوا منها ) (212) .
ومما كتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص عندما أرسله لفتح فارس[ أما بعد, فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال, فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب, وآمرك ومن معك بأن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم (213) ،
فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ] (214) .
والقصص كثيرة على مدى التاريخ الإسلامي التي تدل على هذه القضية, بل إن بعض قادة المسلمين كانوا يعتقدون أن سبب تأخر النصر هو تخليهم عن سنة من السنن فضلا عن تقصيرهم في أمر واجب.
وكيف تنتصر أمتنا وهي كما ذكر سابقا بها الكثير من المعاصي؟,.. بل كيف وهي يحدث فيها من البعض الحرب على الدين والتعالي على الكثير من أحكامه بل وإيذاءُ دعاته المصلحين وولاءُ أعدائه المجرمين ؟ .
ونحن نفخر ونبتهج بالصور الجهادية التي نراها الآن على نطاق ضيق في أمتنا, والتي تكون منضبطة بالأصول الشرعية ووفق فقه واقع جيد وفي الأماكن التي يفتي العلماء الثقات بأنها مواطن جهاد (215) , ونتمنى لو أن أمتنا كلها تقوم الآن للجهاد الصادق, وهذه الصور الجهادية تعتبر لمسة فرح وسط المأتم الكبير الذي تعيشه الأمة, ...وهي تُشرِّف الأمة وتعيد لها بعضا من روح العزة والهيبة لدى أعدائها, وتَبُث في الأمة الحماس للدين ولأمجادنا, وخيرها عظيم على الأمة, ولا أدل على ذلك من تخوف أعداء الدين منها ومحاولتهم حجب وتهوين أخبارها, ودأبهم الشديد على حرف أي جهاد عن مساره الصحيح وتشويه سمعته وإجهاضه, حتى لا يؤدي إلى ولادة أمة إسلامية تعود إلى الدين والى الجهاد في سبيل الله.
موت الشهيد حياته وحياتنا في لهونا الفتاك عنوان الردى (216)
وهذه الصور الجهادية تحتاج منا إلى دعمها وتأييدها, ولكنها غير كافيه, و أين الأمة ككل عن الجهاد في سبيل الله ؛ ..لاشك أن ما كبلها حقيقةً هو الذنوب والمعاصي التي نتجت عنها كل الصور الأخرى والأوضاع التي أخرت الجهاد الصادق في سبيل الله.
عودة ودعوه
لعله من الممكن أن نقول كخلاصة.. أن الحل الجدري بإذن الله لمآسي امتنا يمكن أن نضعه في كلمتين.... * عودة و دعوه * (217)
أي عودة كل فرد في الأمة إلى تطبيق الدين تطبيقًا جادًا كاملًا في كل الأمور صغيرها وكبيرها..ودعوته غيره إلى ذلك, وهي عودة ودعوة للتمسك الحقيقي الكامل بالكتاب والسنة ونهج السلف الصالح, ..ففي ذلك نصر الأمة وفلاحها.
وياليت أن تصبح هاتان الكلمتان شعارًا (218) لطريق الحل لإنقاذ أمتنا, وأن تكون رمزًا تتذاكر الأمة به, ..لكي لا تنسى, ولكي تسرع للطريق الحقيقي الموصل للنجاة والعزة والكرامة.
مع كل مذبحةٍ تَجِدُّ ولا جواب سوى العويل
مع كل جُرح في جوانح أمتي أبدا يسيل
مع كل تشريد وتمزيق لشعب أو قبيل
يأتي يسائلني صديق من بلادي ما السبيل
كيف السبيل إلى كرامتنا إلى المجد الأثيل
فَرَمَقتُ وجه محدثي وهتفت من قلبٍ عليل
قلبي مليءٌ بالأسى وحديث مأساتي يطول
حدثته عن قصة التحرير جيلًا بعد جيل
ووقفت في حطين اقطف زهرةَ الأمل النبيل
ورأيت في جالوت ماء النيل يبتلع المغول
بل وحدة الفكر القويم ووحدة الهدف النبيل
وبِنَاءُ جيل مؤمن وهو الصواعق والفتيل
بكتائب الإيمان جنب المصحف الهادي الدليل
تمضي كتائبنا مع الفجر المجلجل بالصهيل
هذا السبيل ولا سبيل سواه إن تبغي الوصول (219)
إن السبيل قد عرف, فهل نستيقظ ؟ فالمسؤولية كبيرة ونسأل عنها يوم القيامة, أحيانا يسيطر اليأس على القلب خاصة عندما يرى غفلة الأمة واستمرارها في اللهو على الرغم مما تراه مما يتفطر له القلب كمدا من المآسي,.. ولكن أملنا في الخير الكامن في المسلمين, وأنهم لن يرضوا بأن يكونوا بتقصيرهم سببا في استمرار الذبح والهوان لإخوانهم وأمتهم, وأملنا في إدراكهم للمخاطر الرهيبة التي تواجه أمتهم ولكيد الأعداء الذي قد يصلهم, وأملنا في خوفهم من السؤال عند الوقوف أمام الله تعالى عن واجبهم تجاه أمتهم,فأملنا في كل ذلك بعد الله يجعلنا نستبشر بحصول وتحقق استيقاظ وعودة,..ولكن نرجو أن يكون قريبا.. فالألم شديد.
المراجع
1.القرآن الكريم .
2.تفسير ابن كثير طبقة كتاب الشعب .
3.أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين الشنقيطي . عالم الكتب .
4.صحيح البخاري.طبعة بيت الأفكار الدولية,1419هـ.
5.سلسلة الأحاديث الصحيحة: محمد ناصر الدين الألباني . المكتب الإسلامي ، ط 3 ، 1403هـ ، 1983م .
6.المستدرك للحاكم.دار الكتب العلمية,ط1, 1411هـ .
7.صحيح الترمذي: محمد ناصر الدين الألباني.طبعة مكتب التربيه العربي لدول الخليج,ط1,1408هـ
8.رياض الصالحين: النووي . دار المعرفة ، 1417 هـ ، 1996 م .
9.ترتيب احاديث صحيح الجامع الصغير وزيادته:عوني الشريف. مكتبة المعارف,ط1, 1406هـ.
10.زاد المعاد في هدي خير العباد: إبن قيم الجوزية . مؤسسة الرسالة ومكتبة المنار الإسلامية ، ط 8 ،1405هـ / 1985م .
11.مدارج السالكين: إبن قيم الجوزية.دار إحياء التراث العربي,ط2, 1421هـ-2001م.
12.فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ. مكتبة الرياض الحديثة .