ان صاحب الايمان الضعيف او الكافر يصبح مهموما اذا فصل من عمله يحمل هم الاطفال والزوجة وهو غير مقتنع بأن الله موجود وهو يرزق من يشاء وهو من قسم بين الناس ارزاقهم وهو الذي طمأن عباده المؤمنين وأرشدهم الى القول بأنه"لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا"ومصادر الهموم ومنابعها كثيرة وليست هي فقط الفصل من العمل وهي كثيرة وتصيب المسلم والكافر فمن الهموم موت قريب أو صديق والزواج الفاشل والمرض والولد العاق أو الكسول وغير ذلك وحين يتعامل الانسان مع كل هذه القضايا منطلقا من عقائد الاسلام وأحكامه فلا شك أنه سيتعامل معها بما يرضى الله فاذا مات له عزيز قال انا لله وانا اليه راجعون وعلم أن الاعمارقد قدرها الله والعبد يرضى بما قدر مولاه وبكاء الانسان وحزنه لا ينفي اطمئنان نفسه ولا يتعارض معها. أما تعامل المسلم ضعيف الايمان أو الكافر مع هذه القضايا فهو في غالبه تعامل القلق والساخط والمتذمر يظن أنه لو فعل كذا لما مات ابنه أو خسرت تجارته أو اصطدمت سيارته والمؤمن عندما تنزل به مصيبه يقول قدر الله وما شاء فعل. والتعامل مع المصائب بهذا الاسلوب ناتج عن اقتناع بان الله لا يظلم وهو ارحم بعباده من الام بابنها فعقابه عدل وجزء مما نستحق على معاصينا في حين انه تجاوز عن أجزاء. ويعلم المسلم أن المصائب تأتي احيانا كاختبار لتكشف الصادقين من الكاذبين ومن يتخذ الاسباب ويبذل الجهد ويرى الامور تسير على غير ما يريد يثق بأن هذه مشيئة الله ولا رد لحكمه ويعلم يقينا بان الله لو اراد لمنع حدوث المصيبة. والتوحيد الصحيح والاعمال الصالحة تسعد النفس وتفرحها وصحيح ان بعض الطاعات فيها بعض التعب والعناء ولكن الصحيح أيضا ان السير في طريق الطاعة يوصل الى سعادة عظيمة لا ياتي بها المال والمركز والشهادة. قال احد الصالحين:"لوعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا عليه بالسيوف"ففي القرب من الله جنة دنيوية لا يعملها كثيرون والطريق الى هذه الجنة يتاتى بعمل الطاعات واجتناب المعاصي وهذا هو الطريق الى السعادة فالسعادة هي سعادة القلب والشقاء هو شقاء القلب قال ابن القيم"ولا تحسب أن قوله تعالي ?ان الابرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم? مقصور على نعيم الاخرة وجحيمها فقط بل في دورهم الثلاثة هم كذلك أعنى دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار فهؤلاء في نعيم وهؤلاء في جحيم وهل النعيم الا نعيم القلب؟ وهل العذاب الا عذاب القلب؟ وأي عذاب اشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وأعراضه عن الله والدار الاخرة وتعلقه بغير الله وانقطاعه عن الله بكل واد منه شعبة" (5) قال تعالي ?يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي?.
نور الحقائق الكبرى
عقائد البشر وأراؤهم وأهدافهم كثيرة جدا ومتنوعة ومتناقضة فمن البشر من يؤمن بوجود الله كالمسلمين والنصارى واليهود ومنهم من هو ملحد ومنهم من يؤمن بمصلحته أو لذته ومنهم من تحركه مفاهيم عنصرية فيتعصب لشعب أو أمة ومن الناس من يقلدون الآباء أو الزعماء أو الفلاسفة والحكماء ومنهم من هو ضائع لم يستقر على عقيدة والمؤمنون بوجود الله ينقسمون الى أديان وطوائف وفرق ويختلفون في بعض أو كثير من العقائد والاحكام وان تشابهوا في بعضها فالعقيدة في صفات الله سبحانه وتعالي فيها اختلاف كبير ليس فقط بين من يؤمنون بالله بل حتى بين من يدينون بالاسلام ولهذا اظهرت الفرق الكثيرة واختلف الناس حول القوانين العادلة فأصبحت هناك دساتير وأنظمة وقوانين متناقضة وكل أصحاب مبدأ أو دين وحزب يرون أن ما يتبنون هو الحق وما عداه باطل فما يراه البعض مثلا من الامور الاجتماعية حلالا وحقا يراه أخرون حراما وباطلا. وباختصار شديد الاختلافات بين البشرية فيما يعتقدون أنها حقائق كبرى كثيرة ولن يصل إلى السعادة من يسير في ظلام عقائد مشوهة أو شرائع ظالمة أو اقتناعات خاطئة لأنه سيصطدم بالعقل الواعي وبالفطرة البشرية السليمة فالنفس تسعد في ظل العقائد الصحيحة والاحكام العادلة والحقوق والواجبات المنصفة فكما أن من لا يعرف حقائق الفيزياء والهندسة والطيران لن يتمكن من الطيران فكذلك لن يتمكن من يجهل الحقائق الفكرية من أن يعيش حياة سعيدة فلن يرى السعادة من يفضل طبقة على أخرى أو يعبد مصلحته أو يتبع الخرافات والاوهام فاصحاب العقائد الباطلة يتخبطون في سيرهم ويرتكبون كثيرا من الاخطاء السياسية والاجتماعية والاقتصادية وهذا واقع مشاهد فعقائد الشيوعيين. أنتجت الاستبداد والفقر والكسل وعقائد الغرب أنتجت الحروب والانانية والامراض النفسية والجنسية والخوارج تبنوا عقائد منحرفة فكفروا كثيرا من الناس فحصدوا العنف والشر والاسلام الصحيح هو الطريق للحقائق الكبرى والصغرى والعلاقة بين نور الحقائق وبين السعادة هي علاقة وثيقة جدا فمن الحقائق الكبرى أن الاطمئنان النفسي لا يأتي من سلطة أو ثروة أو قبيلة أو عائلة أو حلف بل يكون من نصيب من يحميه الله العزيز الجبار القادر فمن كان الله معه فل يحزن وممن يخاف ولمن يحتاج؟ اليس من المفروض أن نؤمن كمسلمين بأن الله على كل شئ قدير وأنه وحده القادر على أن ينصرنا ويعزنا ويبدل أحزاننا أفراحا وفقرنا غنى وضعفنا قوة ومرضنا صحة وأن نعلم أن الله يعز من يشاء ويذل من يشاء ويحيط بكل شئ علما فيعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور وأهم الحقائق الكبرى يتعلق بصفات الله وأسمائه قال ابن القيم رحمه الله:"فاطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته فمحبته ومعرفته قرة العيون ولذة الارواح وبهجة القلوب ونعيم الدنيا وسرورها بل لذات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلاما وعذابا ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك فليست الحياة الطيبة الا بالله". (6)
وقال ابن القيم ايضا"ولا شئ على الاطلاق أنفع للعبد من اقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه بحبه وايثاره لمرضاته بل لا حياة ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة الا بذلك" (7) ومن الحقائق الكبرى أن نعلم أنه لو اجتمع الناس على أن يضرونا بشئ لن يضرونا الا بشئ قد كتبه الله علينا وان اجتمعوا على أن ينفعونا بشئ لن ينفعونا الا بشئ قد كتبه الله لنا وأن نعلم أن من العقيدة الصحيحة أن نؤمن بأن رزقنا قد كتبه الله ولا سلطة للبشر عليه مطلقا والايمان بذلك سيطمئن نفوسا كثيرة تعيش قلقة على رزقها وبعض هؤلاء ينافقون ويغشون لظنهم أن الرزق بيد العباد فيخافون أن ينقطع أو لا يأتي.
ومن الحقائق الكبرى أن نعلم أن نعم الله علينا لا تحصى فالانسان الذي لا يقابل كرم الله واحسانه وفضله بالطاعة والشكر هو انسان جاهل أو لئيم قال الشاعر:
ان انت اكرمت الكريم ملكته *** وان أنت أكرمت الئيم تمردا
فمن قابل نعم الله بالجحود فهو قد تنكر لمن خلقه ورزقه ووهب له العقل والصحة والماء والهواء فتنكره لوالديه أو لمن أحسن إليه أمر متوقع.
ومن الحقائق الكبرى أن نعلم أن ما عند الله من خير وفضل في الحياة الدنيا وفي الاخرة أكبر مما يمكن أن يحققه لنا ربا أو رشوة أو نفاق أو امتناع عن الزكاة وأن نعلم أن الله شديد العقاب وله جنود السموات والارض وأنه قادر علينا فمن الحكمة أن نخافه ونحذر وعيده وأذا آمنا بذلك سيرتدع القوى فينا عن ظلم الضعيف وسنعمل الخير ونتجنب الشر فرأس الحكمة مخافة الله والظلم يأتي في غالبيته ممن لا يخاف الله.