فهرس الكتاب

الصفحة 808 من 2255

وقال تعالى مشيرًا إلى عمارتهم للدنيا:

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]

فغرتهم إمكانياتهم المادية, وتفوقهم المدني على مجايليهم, ونظروا بمعيار المظاهر, فجحدوا الوحي الذي أتى به نبي الله صالح عليه السلام, واستنكروا أصلًا أن يختص من لم يتميز بمظهر مادي بالوحي والنبوة, كما قال تعالى في سورة القمر:

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ, فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ, أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} [القمر:23-25]

ولكن.. وكما هي السنة الكونية وقانون التاريخ, فقد كان المتبنون لمضايقة نبي الله صالح هم الكبراء وأصحاب المظاهر المادية, وكان أنصاره ضعفاء الناس, كما ينقل الله لنا هذا الحوار في سورة الأعراف:

{قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ, قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون} [الأعراف:75-76]

وبمناسبة الحديث عن الامكانيات المادية لعاد وثمود أتذكر ملاحظة مبدعة لعلامة التأريخ"ابن خلدون"ذكرها في مقدمته حيث يقول:

(مباني الدولة وهياكلها العظيمة إنما تكون على نسبة قوة الدولة في أصلها، لأنها لا تتم إلا بكثرة الفعلة واجتماع الأيدي على العمل والتعاون فيه, فإذا كانت الدولة عظيمة فسيحة الجوانب, كثيرة الممالك والرعايا، كان الفعلة كثيرين جدًا, وحشروا من آفاق الدولة وأقطارها، فتم العمل على أعظم هياكله, ألا ترى إلى مصانع قوم عاد وثمود, وما قصه القرآن عنهما, وانظر بالمشاهدة إيوان كسرى وما اقتدر فيه الفرس, حتى إنه عزم الرشيد على هدمه وتخريبه فتكاءد عنه، وشرع فيه ثم أدركه العجز، فانظر كيف تقتدر دولة على بناء لا تستطيع أخرى على هدمه, مع بون ما بين الهدم والبناء في السهولة)

على أية حال.. ما إن نعق غراب الجزيرة العربية فوق خرائب عاد وثمود بكل مظاهر قوتيهما, إلا وكان نبي الله موسى بين أهرام مصر يواجه هذه المرة"الحضارة الفرعونية"بكامل وزنها التاريخي وإمكانياتها الإمبراطورية, ليتكرر من جديد مسلسل طغيان القوة المدنية وغرورها أمام الوحي.

تربع فرعون فوق"المكتب البيضاوي"لإدارة العالم كما صور ذلك الداخل الملكي بقوله تعالى في سورة غافر:

{يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ} [غافر:29]

وتباهى فرعون عاليًا بإمكانياته السياسية كما قال تعالى عنه في سورة الزخرف:

{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف:51]

ولاينقضي العجب من عمق فهم نبي الله موسى وملاحظته كيف فتنت الحضارة الفرعونية وقوتها المدنية الناس, وكيف صرفتهم عن الاستسلام للوحي تلك المقاييس المادية المركوزة في النفوس البشرية, فيعبر كليم الله موسى عن هذا القانون التاريخي لأعظم تحدٍّ يواجه الدعوات كما في قوله تعالى:

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} [يونس:88]

وحين أرسل الله موسى إلى المجتمع المصري المتقدم لم يقل له أيقظ قومك ليستفيدوا من الحضارة المصرية, بل أرسله لينورهم بالوحي من ظلمات حضارتهم, كما قال تعالى:

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ} [إبراهيم:5]

بل إن الله سبحانه وتعالى -طبقًا لميزانه سبحانه- فضل بني اسرائيل بما معهم من العلوم الإلهية على الفراعنة بما معهم من الحضارة, كما قال تعالى:

{ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلنهم على العالمين} [الجاثية:16]

فاذا تأمل القارئ هذا الموضع وكيف كان سبب تفضيل بني إسرائيل أنوار النبوة والكتاب, وكيف لم تفلح حضارة الفراعنة في إخراجهم من الظلمات, استبان له"الميزان الإلهي"لتقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات والحضارات والمدنيات, وميزان المسلم تبع لميزان الله جل وعلا.

ولم يكن الحال جديدًا بالنسبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان الجاحدون لنبوته والوحي الذي معه يتعلقون في الإعراض عنه بضعفه المادي, وأنه لا يتمتع بمظاهر القوة والرفاه كما يتمتع بها بعض اللامعين في منطقة الحجاز, ورأوا أنه لا يليق الخضوع لنبي إلا إن كان من أشراف الطبقة الارستقراطية في عاصمتي الحجاز وهما مكة والطائف كما قال تعالى عنهم في سورة الزخرف:

{وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]

يعنون بالرجلين الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي.

وبكل صراحة ووضوح واجهوه بأنه لا يملك"ثروة مادية"يستحق بها أن يتبعوه كما ساق تعالى احتجاجهم في سورة الفرقان بقولهم:

{أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ , أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} [الفرقان:8]

وبعد هذه الآية مباشرة يعقب سبحانه وتعالى على هذا الاحتجاج المادي الرخيص بكونه لايعجزه سبحانه ذلك ولكنه أراد اختبارهم وامتحانهم فقال سبحانه وتعالى:

{تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا} [الفرقان:10]

ولكن الله سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن ينبه نبيه ويحذره أن لا يفتتن بتعلقهم بالماديات, ويعيد تذكير نبيه بالقانون التاريخي للدعوات وهو الصراع بين الوحي والمادة, وتحدي الإيمان للمظاهر المدنية, كما قال سبحانه في سورة هود:

{فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} [هود:12]

بل ولقن الله سبحانه نبيه محمدًا أن يقول لقريش بكل صراحة ووضوح أنه لايملك القوة المادية والكنوز والخزائن التي هي معيارهم ومقياسهم, وإنما هو داعية إلى الوحي, كما قال تعالى لنبيه:

{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ, وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ, وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ, إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام:50]

فانظر كيف فتنوا عن اتباع النبي بكونه لايملك مظاهر مادية يستحق بها الخضوع, بل انظر ما هو أعجب من ذلك وهو أن يكون هذا هو جوهر الاختبار الإلهي لهم وهو الانخلاع من التعلق بالماديات والانصياع للوحي, ولذلك نبه الله نبيه ألا يضيق صدره ببعض الوحي نتيجة كونه لا يملك المظاهر المادية التي هي معيارهم في الانقياد, وأن الله سبحانه لن يجيبهم إلى ما طلبوا فيما وضعوه من مقاييس مادية للاتباع, فإما أن يختاروا طريق الوحي أو طريق المادة!

والحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يتربع على عرش القوة والإمكانيات لما تخلف من خصومه أحد, لا للحق الأخروي الذي معه ولكن للقوة الدنيوية التي بيديه, وأي معنى لاختبار وامتحان وابتلاء في اتباع القوي المسيطر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت