وهذا اللازم الخطير يتفاوت غلاة المدنية في موقفهم تجاهه, فبعضهم لايتفطن له أصلًا, وهذا كثير في من يطلق أقوالًا لايتفطن للوازمها, وقد أشار المحققون إلى كثير من ذلك, كما قال الإمام ابن تيمية:
(الشعور مراتب, وقد يشعر الإنسان بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه, ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض) درء التعارض 10/121
وبعضهم قد يتفطن لهذا اللازم لكنه يتأوله ويحاول أن يجد له المخارج, كما قال الإمام ابن تيمية:
(يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها, ولو تفطن لكان إما أن يلتزمها, أو لا يلتزمها بل يرجع عن الملزوم, أو لا يرجع عنه ويعتقد أنها غير لوازم) الفتاوى 35/288
فبعضهم إذا تفطن لهذا اللازم يتأوله فيقول إن الأنبياء"حالة خاصة"لايجوز القياس عليها, أو أن الأنبياء مسددون من الله بخلافنا نحن, أو أن الأنبياء لهم ظروفهم التاريخية ونحو هذه التسويغات, فهذا يسد باب الاقتداء من أصله, ويلغي وظيفة النبوة أصلًا, بل مؤداه أنه لامعنى لقراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولاثمرة من تتبع أحواله, مع أن الله تعالى يقول عن الأنبياء:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]
وبعض غلاة المدنية يتفطن لهذا اللازم ويلتزمه -نسأل الله العافية- فيشير في ثنايا عباراته إلى أن البشرية لم تأت بشئ قبل هذه الحضارة المعاصرة, وأن الناس كانوا في ظلام وتخلف وانحطاط وهمجية وأساطير قبل هذا النموذج الإنساني الفريد, وأن المصلحين قبل هذه المعجزة الحضارية المعاصرة لم ينجحوا في صناعة الحياة الراقية المستنيرة كما نشاهد اليوم.
ومن تأمل أمثال هذه المقالات والأفكار تأكد له أن"الغلو المدني ينبوع الانحراف الثقافي", وأن المغالاة في قضية الحضارة المادية هي المسؤول الأول عن هذا الخلل الكارثي.
الافتتان بالقوة المادية لخصوم الرسل:
كاد أن يكون جوهر الصراع القرآني أساسًا بين"المظاهر المادية"و"المبدأ الديني"أو ما يسميه القرآن الدنيا/الآخرة, ومن أشد مايفتن الناس عن حقائق الوحي أنه يغلب على الرسل وأتباعهم من العاملين للدين المشغوفين بتبليغ هذا الوحي أنهم لا يملكون مظاهر القوة المادية الباذخة التي يتمتع بالاستحواذ على مفاصلها غير المسلمين.
وهذا"قانون تاريخي"وسنة كونية متكررة لاينتهي العجب من تأمل أرشيفها الطاعن في العمر, فجمهور المبلغين عن الله منذ فجر النبوات وحتى لحظة العمل الإسلامي المعاصر يواجهون دومًا"قوى مادية"تفوقهم وتفتن الناس عن اتباع الوحي الذي معهم, إذ لو كان الأنبياء وأتباعهم يتمتعون بالموارد المادية والميزانيات الضخمة لما تخلف عن مساجدهم فرد واحد.
تأمل في تجارب الأنبياء وما انطوت عليه من الخبرات الدعوية ستجدها تكاد أن تكون جميعًا تمثالًا ناطقًا للصراع بين داعي"الوحي الإلهي"و فتنة"القوة المادية", وستجد افتتان الناس بالقوة المادية يخلب ألبابهم ويعشي أبصارهم ويصرفهم عن الانصياع والاستسلام للوحي, وستجد العاملين للدين يعانون الأمرَّين من افتتان الناس بالمظاهر المادية.
فالرسول الأول نوح عليه السلام قال له قومه بكل صراحة مادية:
{وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ, وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} [هود:27]
واستمر هذا الاحساس حاضرًا في مشاعرهم تجاه المؤمنين بالوحي حتى تحولت عندهم إلى حجة وبرهان يتعللون به كما قال تعالى عنهم في سورة الشعراء:
{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء:111]
وما إن أقلعت السماء وغيض الماء وطوى النسيان أجيال نوح إلا وكانت"عاد الأولى"قد استلمت زمام الخلافة في الأرض كما قال تعالى عنهم:
{وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69]
فعمروا جنوب الجزيرة العربية في منطقة الأحقاف وإرم, وكانوا يتمتعون بقوة مادية مذهلة فكانت لهم بنية جسدية استثنائية, وكثافة سكانية, مكنتهم من الترف المعيشي وفنون العمارة, والانفراد بالجبروت العسكري على العالم, وهذه القوة المادية ورطتهم في الغرور وصرفتهم عن الإيمان بلقاء الله والاستسلام للوحي, كما يحكي تعالى عن قوتهم الجسدية في سورة الأعراف:
{وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ, وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف:69]
ويؤكد تعالى بنيتهم الجسدية الاستثنائية في سورة الفجر:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ, إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ, الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} [6-8]
ويصف القرآن قصورهم ومنشآتهم الضخمة وبطشهم العسكري في سورة الشعراء فيقول سبحانه:
{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ, وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ, وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [128-130]
هذه المظاهر المادية حجبت عيونهم بعصابة الزهو, حتى تساءلوا أمام نبي الله ذلك السؤال المنتفش بالغرور المجوف فقالوا بكل غطرسة سياسية:"من أشد منا قوة؟"
كما حكى الله سبحانه مقالتهم هذه:
{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ , وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟} [فصلت:15]
بالله عليك.. أعد التأمل في تساؤلهم المغرور"من أشد منا قوة؟"
ثم انظر إلى جواب جبار السموات والأرض بعظمته الإلهية إذ يرد عليهم قائلًا سبحانه:
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً!}
إمكانياتهم المادية طاشت بهم فوق طواويس الغرور, فألقو رزانة الإيمان وكذبوا بلقاء الله بكل بجاحة, وقالوا مستهترين:
{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ , هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون:35-36]
وكانت"الطبقة المترفة"في قوم عاد -كما هو قانون التاريخ- أشد المعارضين لدعوة الوحي, كما قال تعالى عنهم في سورة المؤمنون:
{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون:33]
ولم تغرب شمس عاد في كارثة أعاصيرها المعروفة التي دامت أسبوعًا إلا وكانت حضارة المدائن في الحجر شمال الجزيرة العربية قد بزغت وأعادت مسلسل الغرور بمظاهر القوة المدنية المادية.
فقد تمتعت ثمود أيضًا بالخلافة في الأرض بعد قوم عاد, وأوغلوا هم أيضًا في فنون النحت والعمارة, وبعض آثارهم الباقية اليوم شاهدة بما غاب من مدنيتهم, وقد قال تعالى عن خلافتهم وقصورهم:
{وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ, وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا, وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف:74]
وقال تعالى في سورة الشعراء واصفًا رفاههم ونحتهم:
{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ, فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ, وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ, وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء:146-149]
وكان إبداعهم في نحت الجبال يوفر لهم استقرارًا أمنيًا كما أشار تعالى في سورة الحجر بقوله:
{وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر:82]