فهرس الكتاب

الصفحة 785 من 2255

وجاء في المادة السادسة من الميثاق الإذاعي للدول العربية ما نصه: (الانفتاح على الحضارة الإنسانية أخذًا وعطاءً وتعميق روح الأخوة الإنسانية والتأكيد على أن الأمة العربية تمد يدها لكل شعوب الأرض دون ما نظر إلى اختلاف الدين أو العقيدة أو أسلوب الحياة للتعاون على توفير أسباب الحرية والتقدم والسلام القائم على العدل وذلك انطلاقًا من جوهر القيم العربية واستهداءً بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) [35] .

ويبين من هذا أن هذه الكلمة خطة ماسونية غربية تلقفها العصريون ونشروها بين المسلمين بدلًا عنهم ، ولا ريب أن هذا متابعة لهم في ما يهوونه ، وهو ما نهى الله عنه وحذر منه فقال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ( ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) [36] ، وقال سبحانه: (ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير) [37] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - ( ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ، ويُسرون به ، ويودون أن لو بذلوا عظيمًا ليحصل ذلكـ ثمَّ قال ـ ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين، نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه ) [38] .

3)ومما يهدفون إليه عدم التفكير بجهاد الكفار ، وإماتة الروح الجهادية في قلوب المسلمين ، بحجة أنهم إخوان لنا في الإنسانية فلا بد أن تحترم كرامتهم وإنسانيتهم وأن نكون متسامحين معهم وهذا في جهاد الطلب ، بل أنكر آخرون جهاد الدفع ولو قتل المسلم على أيدي الكفار، وذك لـ (يكون المسلم شهيد السلام والتآخي والتسامح أو أنه(شهيد الفكرة المتراحمة) وهذا الكلام لم ألقه جزافًا وممن نص عليه الطبيب الدكتور: خالص جلبي ، في كتابه: (سيكلوجية العنف واستراتيجية الحل السلمي) [39] مقررًا لهذا القول العجيب، بهذه القزمة الفكرية ، التي لم تكن حتى عند الجاهليين العرب ، وحقًا هو التضليل الفكري ، والصوت النشاز في العالم الإسلامي ـ نسأل الله العافية والسلامة ـ وعش رجبًا ترى عجبًا:

الله أخر موتتي فتأخرت *** حتى رأيت من الزمان عجائبًا.

إنها ثقافة الانهزام التي تسري في عروق هؤلاء العصريين باسم ثقافة الإخاء والسلام.

4)ومما يهدف إليه العصريون بهذا المصطلح (إلغاء المناداة بالرابطة الإسلامية أو تحييدها واستبدالها بالرابطة الأخوية الإنسانية ، إلى الوحدة الأخوية الدينية ) [40] ، ولذا فهم يدندنون كثيرًا على هذه المصطلحات، ولا ريب أن هذا باطل وزور من القول ، فنحن وإن كنا أبناء لآدم وحواء ، فإن هذا لا ينفعنا عند الله ، والذي ينفعنا هو الدخول في دين الإسلام وعقد الأخوة المسلمين ، وقد امتن الله علينا بهذه الأخوة فقال: ( واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا ) [41] ، وبعدئذ يتوحد الحب لدى المسلم فلا يحب إلا أخيه المسلم ولا يرتبط إلا به ، ولا يصاحب إلاَّ إياه ، وما أروع ما قاله الأستاذ: سيد قطب - رحمه الله - ( إن البشرية لا تنقسم في تقدير المسلم إلى أجناس وألوان وأوطان ، إنما تنقسم إلى أهل الحق وأهل الباطل ، وهو مع أهل الحق ضد أهل الباطل .. في كل زمان وفي كل مكان .. وهكذا يتوحد الميزان في يد المسلم على مدار التاريخ كله ، وترتفع القيم في شعوره عن عصبية الجنس واللون واللغة والوطن ، و القرابات الحاضرة أو الموغلة في بطن التاريخ ، ترتفع فتصبح قيمة واحدة .. هي قيمة الإيمان يحاسب بها الجميع، ويقوم بها الجميع) [42] ، ولو دقق في نداء نوح لربه ـ عز وجل- قائلًا: ( رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) [43] ، فقد رد الله - عز وجل - عليه قاطعًا ما بينه وبين ابنه من أواصر القرابة ، قائلًا: ( يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) [44] ، وذلك أن نوحًا كان ابنه كافرًا ، ففصم الله العلاقة بينه وبين أبيه، حتى يتميز حزب الرحمن من حزب الشيطان ، ويعلم أن آصرة التجمع هي على عقيدة الإسلام ،وأن رابطة الولاء لا تكون ولا تنبغي أن تكون إلا لمن اتبع هذا الدين ، وقام به خير قيام.

نعم إن الإنسان مخلوق كريم، كما قال تعالى: ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) [45] ، وقال ( ولقد كرمنا بني آدم ) [46] ، لكنه لما حاد عن منهج الله ، قال تعالى عنه: ( ثم رددناه أسفل سافلين ) [47] ، ولم يستثن إلا من ثبت على شريعة الإسلام ، فقال: ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [48] ' فمن اتبع غير شريعة الله فليس ذا كرامة ،كما قال تعالى: ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) [49] ، بل سمى الله المشرك نجسًا ، فقال: ( إنما المشركون نجس ) [50] .

فمن جعل من المسلمين شعار ( الإخاء الإنساني) هو الشعار المرفرف ، مواليًا من والاه ، ومعاديًا من عاداه ، فإنه قد ارتكب جرمًا كبيرًا في حق ربه ـ عزوجل ـ ، وتنكر لأمته وهويته، و جزى الله الشيخ: جاد الحق علي جاد الحق خيرًا- شيخ الأزهر سابقًا - رحمه الله - حين قال: ( إن البحث عن هوية أخرى للأمة الإسلامية خيانة كبرى ، وجناية عظمى ، وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(من غير منار الأرض) [51] ، فكيف بمن يغير هوية أمة ، ويضلها عن طريق النجاة ؟ ) [52] ا.هـ. فمن فعل ذلك فإنه قد شابه الجاهلية ، والتي تحب أن تنتسب للروابط القومية أو الإقليمية، لذا فقد أزال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - تلك الرؤى الجاهلية والتي كانت عند الصحابة الكرام - رضي الله عنهم أجمعين - فقال يخاطبهم ( إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَة الجاهلية ، وفخرها بالآباء ، إنما هو مؤمن تقي ، وفاجر شقي ، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم ، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن ) [53] ، قال شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله- معلقًا على هذا الحديث: ( فأضاف العُبية والفخر إلى الجاهلية ، يذمها بذلك ، وذلك يقتضي ذمها بكونها مضافة إلى الجاهلية ، وذلك يقتضي ذم الأمور المضافة إلى الجاهلية ) [54] ، وقال في موضع آخر: ( وذلك أن الانتساب إلى الاسم الشرعي ، أحسن من الانتساب إلى غيره ، ألا ترى إلى ما رواه أبو داود من حديث .. أبي عقبة - وكان مولى من أهل فارس - قال: ( شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا، فضربت رجلًا من المشركين ' فقلت: خذها وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إلي فقال:( هلا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري ؟ ) [55] .

قال العلامة القاري - رحمه الله -: ( وكانت فارس في ذلك الزمان كفارًا ، فكره - صلى الله عليه وسلم - الانتساب إليهم وأمره بالانتساب إلى الأنصار ليكون منتسبًا إلى أهل الإسلام) [56] .

وقال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: ( ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية ، لا بروابط عصبية ، ولا بأواصر نسبية) [57] .

* تساؤل.... وجوابه

إذا اتفق على مراد هؤلاء العصريون في مبدأهم ( الإخاء الإنساني) فقد يتساءل البعض:لِم يستخدم هؤلاء هذه الفكرة محاولين أن يقنعوا الناس بها ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت