فهرس الكتاب

الصفحة 784 من 2255

وممَّا يجدرالتنبُّه له ، ووجدته واضحًا من خلال البحث والاستقراء لكتابات أصحاب المدرسة العصرانية ، حيث رأيتهم متوافقون في مقاصدهم تجاه (الإخاء الإنساني) وأنَّهم يريدون من وراءه القول بمودة الكفار ومحبتهم والتعايش معهم، ولهم كتابات منتشرة في ذلك لو قلَّبها المتابع لوجدها صريحة بنشرهذا المقصد ، فتجد أنَّ بعضهم يقول: (إنَّ الأخوة الإنسانية العامة التي أوجب الإسلام بها التعارف عندما يختلف الناس أجناسًا وقبائل يجب وصلها بالمودة ، والعمل على الإصلاح ومنع الفساد ولو اختلف الناس دينًا وأرضًا وجنسًا) بل إنَّ بعضهم يقول: (... ومع ذلك التاريخ السابق فإننا نحب أن أيدينا وأن نفتح آذاننا وقلوبنا إلى كل دعوة تؤاخي بين الأديان وتقرب بينها ، وتنزع من قلوب أتباعها أسباب الشقاق) .

والحقيقة أنَّ من تعلَّم العقيدة الربَّانيَّة حتَّى تجذَّرت في أعماق نفسه البشرية ، يعلم أنَّ هذا الكلام مغاير لنصوص الكتاب والسنَّة ، فأين يوجد في كتاب الله أو في سنَّة رسول الله القول بجواز مودَّة الكافر، وأين يوجد ذلك فيما سطَّره علماؤنا في كتبهم ، أو ما طرَّزوه في مسائلهم.

فاللَّه ـ عزَّ وجلَّ ـ يقول في محكم التنزيل: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ) [18] وهنا نهي صريح عن إلقاء المودة للكافرين ، ويقول تعالى كذلك: (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) [19] قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على هذه الآية: (أخبر الله أنك لا تجد مؤمنًا يواد المحادين لله ورسوله ، فإن نفس الإيمان ينافي مودته كما ينفي أحد الضدين الآخر ، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده ، وهو موالاة أعداء الله ) [20] ا.هـ .

ولذلك فإن هذه الآية لم تخص الذين حاربونا فقط من دونهم بل خصت الكفار أجمعين' وفي هذا يقول الإمام ابن حجر العسقلاني عن هذه الآية: (البرُّ والصلة والإحسان لا يستلزم التوادد والتحابب المنهي عنه في قوله تعالى(لا تجد قومًا...) فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل ) [21]

وقد يقول قائل إنَّ المرحلة تقتضي كهذه العبارات ، لتخفيف وطأة الكفَّار على المسلمين؟

ولكنَّنا نقول متسائلين كذلك: هل ورد مثل هذا الكلام من رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام حين كانوا مستضعفين في مكة ، وحين كان الكفار يسومونهم سوء العذاب ، رغم توفرالأسباب الداعية لذلك ، ومحبة كفار قريش لتلاقي دينهم مع دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يداهنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليداهنوه ؟

إنَّ ذلك لم يكن ألبتة ، مع أنَّ الكفار كانوا يودون أن يداهنهم رسول الله ـصلى الله عليه وسلَّم ـ ليداهنوه ، فقد قال تعالى عنهم: ( ودوا لو تدهنوا فيدهنون ) [22] قال أبو المظفر السمعاني - رحمه الله- ( وقوله( ودوا لو تدهن فيدهنون ) أي: تضعف في أمرك فيضعفون ، أو تلين لهم فيلينون ) [23] ، وذكر القرطبي - رحمه الله - على هذه الآية عددًا من الأقوال ثم قال: ( قلت: كلها إن شاء الله صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى ، فإن الدهان: اللين والمصانعة ، وقيل: مجاملة العدو وممايلته ، وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول ) [24]

ومع هذا كله فقد أبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستمع لكلامهم بل قال بصريح العبارة: ( لكم دينكم ولي دين ) [25] ، وكان- بأبي هو وأمي - مقتفيًا لقوله تعالى: ( ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك .. ) [26]

وأمَّا ما زعمه بعضهم بجوازأن يقول المسلم للنصراني (أخي) واستدلَّ على ذلك بقوله تعالى: (إنَّما المؤمنون إخوة) ثمَّ ذكر أنَّ النصراني مؤمن من وجه ، والمسلم مؤمن بوجه آخر، فلا شكَّ أنَّ هذا خطأ ، لأنَّه سبحانه وتعالى جلَّى هذه القضية بكل وضوح فقال عن الكفار: (وماهم بمؤمنين) وقال كذلك عنهم: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة فإخوانكم في الدين ) [27] والذي يفهم من هذه الآية أنَّه لا أخوة سابقة بين دين الكفَّار ودين المسلمين إلا إذا دخلوا في الإسلام فهم إخواننا لهم مالنا وعليهم ما علينا ، ومن جميل ما قاله الشيخ/ محمد رشيد رضا - رحمه الله - حول هذه الآية: ( وبهذه الأخوة يهدم كل ما كان بينكم وبينهم من عداوة ، وهو نص في أن أخوَّة الدين تثبت بهذين الركنين ، ولا تثبت بغيرهما من دونهما ) [28]

بل إنَّه مخالف لقوله تعالى: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برؤاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده ) [29] ، قال الإمام ابن تيمية: ( فمن كان مؤمنًا وجبت موالاته من أي صنف كان ، ومن كان كافرًا وجبت معاداته من أي صنف كان ) [30] .

ولله درُّ الشيخ الداعية/عبدالرحمن الدوسري ـ رحمه الله ـ حين حذر من هذه الدعاوى المنحرفة ، قائلا:ً(فانظر إلى إبراهيم إمام المسلمين ومن معه من الأنبياء كيف صرَّحوا بعداوة قومهم وبغضهم لأنَّ الله لا يبيح لهم موالاتهم أو مؤاخاتهم باسم القومية لأي هدف كان حتى يتحقق فيهم الإيمان بالله قولًا وعملًا واعتقادًا.

وأوجب الله علينا التأسي بهم ، ذلك أنَّ مؤاخاة الكفار بأي شكل من الأشكال ، ولأي غرض من الأغراض لا يكون أبدًا إلا على حساب العقيدة والأخلاق بل لا يكون إلا بخفض كلمة الله واطِّراح حكمه ونبذ حدوده ورفض وحيه ، ومهما ادَّعوا من الأخوة الإنسانية والعمل لصالح الوطن ومقاومة أعدائه ونحو ذلك من التسهيلات المفرضة ، فإنَّ المصير المحتوم للمسلمين هو ما ذكرناه من تجميد رسالة الله وإقامة حكم مناقض لإعلاء كلمته والجهاد الصحيح في سبيله وتحكيم شريعته.

وما قيمة الإسلام إذا لم يكن هو الحاكم ظاهرًا والمهيمن باطنًا) [31]

والعجب أنَّه مع هذا التنازل من بعض المنتسبين للعلم ـ هداني الله وإياهم ـ وإطلاقهم لهذه الألفاظ على الكفَّار؛ لم تلق أذنًا صاغية منهم ، ولا يزال هؤلاء العصريون يميعون قضايا الدين ، لإرضاء شرذمة الكفر، ويبقى الكفار يزدادون قتلًا وسفكًا واتهامًا للمسلمين بالتشدد تارة ، والتنطع تارة أخرى ، والإرهاب تارة أخرى ، وصدق الله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) [32] ومن المهم حينها أن نعلم بأنَّ الكفارلا يريدون من المسلمين إلا الانسلاخ عن الدين ، والكفر برب العالمين ، ولن يكسب المسلمون من هذا كله دنيا هنية ، ولا دينًا قويًا وأخشى أن نكون كما قيل:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا *** فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع.

2)ومما يهدف إليه العصريون من هذا المبدأ: مسخ تميز المسلم عن الكافر بعباداته وعاداته ، وظاهره وباطنه ، و (إزالة استعلاءه بإيمانه ، الناشئ من إحساسه بالتميز عن الجاهلية المحيطة به في كل الأرض .. لكي تنبهم شخصيته وتتميع ) [33] .

ولا شك أن هذا مفرح للكفار،لأنهم يسعون إلى تذويب المسلم ظاهرًا وباطنًا في مجتمعاتهم الآسنة، بل حتى لو كان في بلاده فلا يشعر بفوارق بينه وبين غيره من الكفار.

يقول المستشرق النمساوي المعاصر ( فون جرونيباوم- Von G صلى الله عليه وسلم unebaum) في كتاب له يسمى: ( الإسلام الحديث - Mode صلى الله عليه وسلم n Islam) : ( إن الحاجز الذي يحجز المسلم عن( التغريب - Weste صلى الله عليه وسلم nization) هو استعلاؤه بإيمانه ، وإنه لا بد من تحطيم ذلك الحاجز لكي تتم عملية التغريب ) [34] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت