فهرس الكتاب

الصفحة 754 من 2255

"وقد فتح الإسلام الباب للتعايش على الصعيد الاجتماعي والعرقي حين اعترف بصدق الرسالات الإلهية المنزلة من قبل على بعض الشعوب ، وجعل المسلمين منحدرين من نسل مشترك هم اليهود والنصارى عبر إبراهيم . لكنه بدا أنه يرفض الحوار في الوقت ذاته على الصعيد اللاهوتي حين ربط التنزيل القرآني بما جاء في الكتاب المقاس وأزال من العقيدة كل ما اعتبر زيفًا مخالفًا للتوحيد بالمعنى الدقيق للكلمة. وأتاح منطق تعاليمه القوي وبساطة عقيدته، وما يرافقها من تسامح أتاح كل هذا للشعوب التي فتح بلادها حرية دينية تفوق بكثير تلك التي أتاحتها الدول المسيحية نفسها ، ولا سيما في حوض المتوسط الشرقي ، حيث كانت تحارب بقسوة الهرطقات التي غالبًا ما كانت تتخذ شكل المطالبة القومية . وبهذا لا تغطي"الجماعة الإسلامية"رقعة « دار الإسلام ، » فالفكرة الأولى تتخذ طابع الموافقة الدينية ، و تضمن الثانية بنية سياسية ودينية معًا تضم غير المسلمين تبعًا لإجراء محدد .ويتيح التوحيد لكل إنسان شرف الاندماج في الجنس البشري دون حصر ولا مراعاة خاصة . و تستتبع وحدة الرسالات احترام معتنقي التنزيلات السابقة ، في حين أن اعتناق الإسلام يحقق للفرد في موازاة ذلك ، مكان بلوغ الدرجة القصوى من الكمال بالانخراط في مجتمع المؤمنين . وبالفعل فإن شهادة أن"لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"التي ينخرط بها الفرد ، ويشارك مشاركة تامة في الأمة الإسلامية تتضمن اعترافًا مزدوجًا: الاعتراف بوحدانية الله ، والاعتراف بأن النبي محمدًا رسول من الله. و تبقى القيمة الجوهرية هي هي لجميع الناس بوصفهم أناسًا . ومع هذا فإن شعور المسلم بالدعوة الربانية أهي موضوعيًا من شعور أي إنسان آخر لأنه يتبع أمر الله: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم أن الله عليم خبير الحجرات13" ( 7) .

هذا، ويبين توماس آرنولد السبب في نجاح النبي محمد صلى الله عليه وسلم في نشر قيم الحب والإخاء، هو حسن الخلق والمعاملة الحسنة والجاذبية التي كان يتمتع بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فيقول آرنولد:

".. إن المعاملة الحسنة التي تعودتها وفود العشائر المختلفة من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] واهتمامه بالنظر في شكاياتهم، والحكمة التي كان يصلح بها ذات بينهم، والسياسة التي أوحت إليه بتخصيص قطع من الأرض مكافأة لكل من بادر إلى الوقوف في جانب الإسلام وإظهار العطف على المسلمين، كل ذلك جعل اسمه مألوفًا لديهم، كما جعل صيته ذائعًا في كافة أنحاء شبه الجزيرة سيدًا عظيمًا ورجلًا كريمًا. وكثيرًا ما كان يفد أحد أفراد القبيلة على النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بالمدينة ثم يعود إلى قومه داعيًا إلى الإسلام جادًا في تحويل إخوانه إليه.." (8) .

ولقد"كانت تصرفات الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] في [أعقاب فتح] مكة تدل على أنه نبي مرسل لا على أنه قائد مظفر. فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في مركز قوي. ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو" (9) .

ولقد كانت أخلاق العفو والرحمة هي السلاح الأكبر الذي استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم في غزو القلوب الصماء.

يؤكد ذلك ديوان شند شرمة بقوله:

"لقد كان محمد روح الرأفة والرحمة، وكان الذين حوله يلمسون تأثيره ولم يغب عنهم أبدًا" (10) .

ولعل إدوار مونته يبين السبب الأساس في قدرة النبي الكريم في نشر الحب والإخاء بين العالمين، و هو ما عرف عن النبي محمد"بخلوص النية والملاطفة وإنصافه في الحكم، ونزاهة التعبير عن الفكر والتحقق، وبالجملة كان محمد أزكى وأدين وأرحم عرب عصره، وأشدهم حفاظًا على الزمام فقد وجههم إلى حياة لم يحلموا بها من قبل، وأسس لهم دولة زمنية ودينية لا تزال إلى اليوم" (11) .

هوامش المبحث الرابع:

2.آتين دينيه وسليمان بن إبراهيم: محمد رسول الله ، ص 323.

3.برج: نقلا عن التكامل في الإسلام ، ج 2، ص 101.

4.فيليب حتى: الإسلام منهج حياة ، ص 19 ، 20.

5.المصدر السابق .

6.وليم موير: نقلا عن مجلة الهلال المجلد 4 ، الجزء 7.

7.مارسيل بوزار: إنسانية الإسلام ، 184-185.

8.المصدر السابق.

9.توماس آرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص 55 عن: Mui صلى الله عليه وسلم (Si صلى الله عليه وسلم Wiliam) : Life of Mahomet, PP.107-8 (London, 1858-,1) .)

10.واشنجتون إيرفنج:حياة محمد ، ص 72.

10-ديوان شند شرمة: أنبياء الشرق ،ص 122.

11-كلمة للفيلسوف الفرنسي إدوار مونته الذي ولد في بلدته لوكادا ( 1817 ـ 1894 ) ، وقال هذه الكلمة في آخر كتابه (العرب) .

المبحث الخامس: نشر التسامح الديني

تجلت سياسة التسامح الديني في عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عام الوفود حين استقبل وفودًا مسيحية وبعث برسالة إلى أسقف نجران . .

ويتحدث الباحث الروماني ك. جيورجيو عن أوضاع أصحاب الديانات السماوية في ظل الحكم الإسلامي فيقول:

"مع أن الإسلام عم الجزيرة كلها في السنة التاسعة فإن محمدًا [ صلى الله عليه وسلم ] لم يكره اليهود و لا النصارى على قبول دينه، لأنهم أهل الكتاب . و قد جاء في رسالة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] إلى أبي الحارث أسقف نجران أن وضع المسيحيين في الجزيرة بعد الإسلام تحسن كثيرًا، يقول في الرسالة:"

"بسم الله الرحمن الرحيم ، من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي الحارث أسقف نجران الأكبر وقساوسته وأساقفه .. أما بعد ، فليعلم الأسقف الأكبر وقساوسته وأساقفته أن كنائسكم ومعابدكم وصومعاتكم ستبقى كما هي ، وأنكم أحرار في عباداتكم . ولن يزاح أحد منكم عن منصبه ومقامه، ولن يبدل شيء . كما لم يبدل في مراسم دينكم ، ما دام الأساقفة صادقين ، ويعملون حسب تعاليم الدين . فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسول صلى الله عليه وسلم ، ومن منعه فإنه عدو الله ولرسوله" (1) .

تشير هذه الرسالة إلى أن المسيحيين ( وكذلك اليهود ) في الجزيرة أحرار في أداء شعائرهم ، ولن يزاحمهم من المسلمين مزاحم . وقد قدم في السنة التاسعة وفد من مسيحي نجران يرأسهم أبو الحارث الأسقف الأكبر، وعبد المسيح الأسقف ، والأيهم رئيس القافلة ، وحين أرادوا الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم ارتادوا ألبستهم الدينية الرسمية الكاملة، فأخذ سكان المدينة بهذه الثياب . وبعد أن زاروا النبي صلى الله عليه وسلم سألوه أن يسمح لهم بأداء شعائرهم فطلب منهم أن يؤدوا صلواتهم في مسجد المدينة، فدخلوا واتجهوا نحو بيت المقدس، و تعبدوا هناك . . ولا شك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحترم النصارى احترامًا خاصًا ، لأن القرآن ذكرهم وأكرمهم . وقد أشار الله تعالى إلى هذه النقطة في محكم كتابه في سورة المائدة (الخامسة) في الآية ( 82 ) : لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون { و يقول في الآية التي بعدها: } وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعنهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ( ، ويقول بعدها كذلك: ) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين { ويقول بعدها: } فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، وذلك جزاء المحسنين (2) .

ويتحدث لورافيشيا فاغليري عن منهج التسامح الديني عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت