فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 2255

وساوى بينهم في كل حق ديني ودنيوي ، ولم يجعل لأحد منهم ميزة في نسب أو حسب أو مال أو حسن صورة ، إنما الميزة والتفضيل بالمعاني العالية في التقوى وتوابعها: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13 ] (7) .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من مؤسسي حلف الفضول، الذي ما أُوسس إلا لنصرة المظلوم ونشر العدل بين الناس، فقال رسول الله في هذا الحلف:

قَالَ"شهدت حلف المطيبين مع عمومتي - و أنا غلام - فما أحب أن لي حمر النعم و أني أنكثه" (8) .

وقال:"لقد شهدت مع عمومتي في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" (9) .

إنه صلى الله عليه وسلم يُعلي منطق العدل، ويساهم في كل باب يخدم قيمة العدل..

ولقد رسخ الرسول صلى الله عليه وسلم قيم العدالة والمساواة في نفوس وزرائه وأتباعه ، فكان يقول ـ محذرًا من استعباد الناس ـ:"لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عباد الله وكل نسائكم إماء الله . ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي . ولا يقل العبد: ربي ولكن ليقل: سيدي" (10) ..

ويقول:"كلكم بنو آدم و آدم خلق من تراب لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان" (11) .

لقد حدث أن عبدالله بن رواحة ـ رضي الله عنه ـ لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدر على أهل خيبر محصولهم من الثمار والزروع لمقاسمتهم إياها مناصفة حسب عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر أن حاول اليهود رشوته ليرفق بهم، فقال لهم: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليّ، ولأنتم والله أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم !!

فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض (12) ..!

لقد كان رضي الله عنه قد تخرج في مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم على المنهج الرباني المنفرد القائم على العدل والمساواة .

هذا، وتعد خطبة الوداع دستورًا عظيما في إقامة العدالة والمساواة في ربوع العالم .. ويعلق هربرت جورج ولز (13) على هذه الخطبة بقوله:

"حجّ محمد [ صلى الله عليه وسلم ] حجة الوداع من المدينة إلى مكة، قبل وفاته بعام، وعند ذاك ألقى على شعبه موعظة عظيمة.. إنّ أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء، وتجعل الفقرة الأخيرة منها الزنجي المؤمن عدلًا للخليفة.. إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم والسماحة، كما أنها إنسانية السمة ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي، عما في أي جماعة أخرى سبقتها" (14) .

هوامش المبحث الثالث:

2.العلامة برتلي سانت هيلر الألماني ( 1793 ـ 1884 ) مستشرق ألماني ولد في درسدن، وقال هذه الكلمة في كتابه (الشرقيون وعقائدهم) .

3.صحيح - البخاري ( 11\ 294 ) ومسلم ( 9\ 54) .

4.مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته ، نقلًا عن: محمد شريف الشيباني: مرجع سابق، ص 120

5.المصدر السابق.

6.المصدر السابق.

7.بودلي: حياة محمد ، نقلا عن: عماد الدين خليل: قالوا في الإسلام ص 137.

8.عبد الله بن جار الله بن إبراهيم آل جار الله: كمال الدين الإسلامي وحقيقته ومزاياه ، ص90، 91.

9.صحيح - أخرجه البخاري في"الأدب المفرد" ( 567 ) و ابن حبان ( 2062) .

10.صحيح - السنن الكبرى للبيهقي (ج 6 / ص 367) ، وصححه الألباني في تحقيق كتاب فقه السيرة للغزالي، ص 67.

10-صحيح - رواه مسلم وصححه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح ، ج 3 / ص 31

11-صحيح - صححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير ،ج 18 / ص 344

12-ابن القيم (محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي) : زاد المعاد، ج 2، ص 11.

13-هربرت جورج ولز (1866 - 1946) الكاتب والأديب البريطاني المعروف. حصل على بكالوريوس العلوم سنة 1888، تولى التدريس بضع سنين ثم انصرف للتأليف. اشتهر بقصصه الذي يعتمد الخيال العلمي من مثل (آلة الزمن) و (الرجل الخفي) ، فضلًا عن رواياته النفسية والاجتماعية من مثل (ميكا فيللي الجديد) و (الزواج) . ولم يغفل ولز البحث في التاريخ فأنجز عام 1920 (معالم تاريخ الإنسانية) وأعقبه بـ (موجز تاريخ العالم) . وكان آخر كتاب أصدره هو (العقل في أقصى تواتراته) (1944) . ولولز كتاب في السيرة الذاتية بعنوان: (تجربة في كتابة السيرة الذاتية.

14-هربرت جورج ولز:معالم تاريخ الإنسانية ، 3 /640 ، 641.

المبحث الرابع: نشر قيم الحب والإخاء

يقول اينين دينيه:

"لقد دعا عيسى [عليه السلام] إلى المساواة والأخوة، أما محمد [ صلى الله عليه وسلم ] فوفق إلى تحقيق المساواة والأخوة بين المؤمنين أثناء حياته" (1) .

فليس من الطبيعي ـ في اعتقاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ـ أن يعيش الناس على هذا الكوكب في تشتت و تمزق، و لا من العقل والمنطق أن يتنافر البشر ويتناطحوا، و قد أوجدهم الله تعالى من مصدر واحد،وأصل واحد، خلقهم جميعا من آدم و حواء، أبيضهم و أسودهم، عربيهم و عجميهم، سيدهم و مسودهم غنيهم و فقيرهم ، بل إن أشد ما يتنافى مع الفطرة ،و يتعارض مع العقل، أن يوحد الله عباده في المنشأ و المصدر، ثم يتفرقون في المرجع و المصير . ولأجل هذا اتخذ الإسلام كل أساس و قاعدة تحمي هذا الكيان من الانشقاق والتصدع، وتمكنه من أداء مهمته على الوجه الأمثل ومن بين تلك القواعد:"الإخاء"الذي امحي أمامه جميع فوارق أفراد هذا الكيان ،و امتيازاتهم من نسب عريق ،و مال غفير، وجاه عريض، و كل ما درج الناس على اعتباره مميزا بعضهم عن بعض ..

ويبين المفكر برج:"أن مبدأ الإخاء الإنساني هو أساس فلسفة الأخلاق الاجتماعية في الإسلام" (2) .

ويشير فيليب حتي إلى"أن إقامة الأخوة في الإسلام مكان العصبية الجاهلية (القائمة على الدم والقرابة) للبناء الاجتماعي كان في الحقيقة عملًا جريئًا جديدًا قام به النبي العربي [ صلى الله عليه وسلم ] .." (3) .

و تأسيسًا على مبدأ الأخوة الإنسانية بين الأجناس والشعوب، حقق النبي محمد صلى الله عليه وسلم واقعيًا لا نظريًا عملية توحيد مختلف الأجناس في ظل المساواة والعدل الإسلاميين ، يقول برج مؤكدًا:

"إنه ليس هناك من مجتمع آخر سجل له التاريخ من النجاح كما سجل للإسلام في توحيد الأجناس الإنسانية المختلفة ، مع التسوية بينها في المكانة والعمل وتهيئة الفرص للنجاح في هذه الحياة" (4) .

ويتحدث المفكر الإنكليزي موير عن الرسالة المحمدية وفق عقيدتها ، فيقول:

"ومن عقيدة الإسلام أن الإنسان أخو الإنسان" (5) .

إن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم قدم الإسلام كعقيدة دينية وشريعة ظهرت في إطار تنظيم اجتماعي تبلور في الدولة الإسلامية عبر سائر المراحل التاريخية السابقة واللاحقة ، سابقًا إلى تحقيق فكرة التعايش بين الشعوب والأجناس والأديان ، وإن نظرة واحدة لأول دستور مكتوب في تاريخ البشرية، ونقصد به دستور المدينة ـ الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ـ؛ فإن هذا الدستوريقدم لنا القوانين السائدة في أول دولة إسلامية قامت بعد الهجرة وحققت التعايش بين المسلمين واليهود والقبائل العربية التي لم تكن تعتنق الإسلام، ومن ثم تطورت جوانب هذا التعايش مع قيام الدولة الإسلامية التي ضمت شعوبًا وأممًا مختلفة ، حققت بينها الانسجام والعدل والمساواة، بعيدًا عن العصبية العرقية أو الاستعلاء الديني .

يقول مارسيل بوازار (6) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت