فهرس الكتاب

الصفحة 747 من 2255

المبحث الرابع: نشر قيم الحب والإخاء

المبحث الخامس: نشر التسامح الديني

المبحث السادس: مبادرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للحوار بين الحضارات

المبحث السابع: تكريم المرأة وتحريرها من رق الجاهلية

المبحث الثامن: مكافحة الفقر

المبحث التاسع:المعاهدات الداعمة للسلام

المبحث العاشر: خدمة الإنسانية ورعاية حقوق الإنسان

الخاتمة: تشتمل على نتائج البحث وتوصياته ومقترحاته ..

محمد مسعد ياقوت - بلطيم، مصر

تمهيد

محمد صلى الله عليه وسلم وأهم أعماله الحضارية

محل وتاريخ الميلاد:

"في مكة . . أبصر النور طفل لم يمرّ ببال أمة، ساعة ولادته، أنه سيكون أحمد أعظم الرجال في العالم بل في التاريخ، ولربما أعظمهم إطلاقًا.." (1) .

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ، القرشي والذي يمتد نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ ..

وولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل.

يقول جون وليام دريبر:

"ولد في مكة بجزيرة العرب عام 569م، بعد أربع سنوات من موت"جوستنيان الأول"، الرجل الذي كان له ـ من دون جميع الرجال ـ أعظم تأثير على الجنس البشري.. وهو محمد" (2) .

حال العالم قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

"بينما كان العالم الشرقي والعالم الغربي بفلسفاتهما العقيمة يعيش في دياجير ظلام الفكر وفساد العبادة، بزغ من مكة المكرمة في شخص محمد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، نور وضاء؛ أضاء على العالم فهداه إلى الإسلام" (3) .

فقد وُلد النبي محمد صلى الله عليه وسلم والبشرية تُعاني الأمرّين من صنوف الجهل والتخلف والانحطاط الخلقي والحضاري .. العرب في الجزيرة العربية كانوا يعبدون الأصنام ويقتلون البنات ويتكسبون من وراء الزنى والدعارة .. أما الشعب الفارسي فقد أدمن عبادة النار كما أدمن عبادة الطاغية كسرى الذي كرث الطبقية والكراهية بين صفوف الشعب الفارسي .. وهذا هرقل أجج الخلاف الطائفي بين الرومان فأخذ يذّبح من يخالفه في المذهب، فضلًا عن فساد السلطة الرومانية الحاكمة ماليًا وإداريًا وسياسيًا .. حتى وصل بهم الحد أن فرضوا ضريبة على الشعوب تسمى"ضريبة الرأس".. وهي ضريبة يدفعها المواطن نظير ترك رأسه دون ذبح !

وهكذا كان العالم يموج بالظلم والتخلف .. إلى أن أرسل الله ـ تبارك وتعالى ـ هذا الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم .

ويبين هنري ماسيه (4) أن"بفضل إصلاحات محمد [ صلى الله عليه وسلم ] الدينية والسياسية، وهي إصلاحات موحدة بشكل أساسي، فإن العرب وعوا أنفسهم وخرجوا من ظلمات الجهل والفوضى ليعدّوا دخلوهم النهائي إلى تاريخ المدنية" (5) ..

نشأته وشبابه:

نشأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم في بيت جده عبد المطلب زعيم مكة، ومن ثم نال محمد صلى الله عليه وسلم حظًا وافرًا من الفطنة والفكر السديد، ومعايشة قضايا العالم ومشكلاته ونزاعاته .. فطالع النبي محمد صلى الله عليه وسلم صحائف البشرية وأحوال القبائل والجماعات والأحلاف، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في ذروة الإيجابية مع قضايا أمته ، فهو عضو في"حلف الفضول"للدفاع عن حقوق الإنسان ورفض كل صور الظلم وأكل الحقوق بالباطل .. كما إنه حكم عدل في فض النزاعات والمشكلات التي تحدث بين القبائل والعائلات .. كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عَرِيكة، وأعفهم نفسًا وأكرمهم خيرًا، وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة حتى سماه قومه: [ الأمين ] لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال الطيبة .. إنه ـ ببساطة شديدة ـ كما وصفته زوجته خديجة ـ رضي الله عنها ـ ، يصل الرحم، ويحمل الكل، ويُكسب المعدوم، ويُقري الضيف، ويُعين على نوائب الدهر (6) .. وبقدر ما كان من إيجابية النبي محمد صلى الله عليه وسلم في شبابه بقدر ما كان ينفر من مظاهر الجاهلية السائدة في المجتمع .. فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذبح قربانًا للأصنام، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالًا، ولا يشارك في أي طقوس دينية لهذه الأصنام ، بل كان من أول نشأته نافرًا من هذه المعبودات الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف بهذه الأصنام ..!

ويتحدث توماس كارلايل (7) عن شبابمحمد صلى الله عليه وسلم قائلًا:

"لوحظ على محمد [ صلى الله عليه وسلم ] منذ [صباه] أنه كان شابًا مفكرًا وقد سمّاه رفقاؤه الأمين - رجل الصدق والوفاء - الصدق في أفعاله وأقواله وأفكاره. وقد لاحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة. وإني لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام، فإذا نطق فما شئت من لبّ.. وقد رأيناه طول حياته رجلًا راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهم كريمًا برًّا رؤوفًا تقيًا فاضلًا حرًا، رجلًا شديد الجدّ مخلصًا، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة، جمّ البشر والطلاقة حميد العشرة حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق.. وكان ذكي اللب، شهم الفؤاد.. عظيمًا بفطرته، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم وهو غني عن ذلك.. فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق الصحراء" (8) .

ويقول الباحث والمستشرق البلجيكي ألفرد الفانز ، في كتابه علم النفس: عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم وأمانته وزواجه من خديجة:

"شب محمد [ صلى الله عليه وسلم ] حتى بلغ ، فكان أعظم الناس مروءة وحلمًا وأمانة ، وأحسنهم جوابًا، وأصدقهم حديثًا ، وأبعدهم عن الفحش حتى عرف في قومه بالأمين ، وبلغت أمانته وأخلاقه المرضية خديجة بنت خويلد القرشية ، وكانت ذات مال ، فعرضت عليه خروجه إلى الشام في تجارة لها مع غلامها ميسرة ، فخرج وربح كثيرًا ، وعاد إلى مكة وأخبرها ميسرة بكراماته ، فعرضت نفسها عليه وهي أيم ، ولها أربعون سنة ، فأصدقها عشرين بكرة، وتزوجها وله خمسة وعشرون سنة، ثم بقيت معه حتى ماتت" (9) .

و"صدع الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بالدعوة نحو عام 610م وعمره يوم ذاك أربعون سنة، وكان مثل إخوانه الأنبياء السابقين [عليهم السلام] ولكن كان أفضل منهم بما لا نسبة فيه.. وكان زاهدًا وفقيهًا ومشرعًا ورجلًا عمليًا.." (10) .

النبوة والوحي

من المعروف أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قدم نفسه للعالم على أنه نبي مرسل من قبل الله عز وجل، فمامحمد صلى الله عليه وسلم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، ومن ثم لسنا كالذين يتحدثون عن شخصيةمحمد صلى الله عليه وسلم على أنه عبقري وفقط، أو مصلح وفقط .. بل نتحدث عن محمد صلى الله عليه وسلم على أنه نبي من عند الله بالأساس، قد جمع الله فيه صفات العباقرة وأخلاق المصلحين وذكاء المفكرين ..

ولقد اختار الله محمدًا صلى الله عليه وسلم ليكون خاتم الأنبياء ـ عليهم السلام ـ، فلما بلغ النبي محمد صلى الله عليه وسلم سن الأربعين، نزل المَلَك جبريل ـ عليه السلام ـ على محمد صلى الله عليه وسلم وهو في الغار بأول آيات القرآن الكريم، وكانت أول كلمة وأول تكليف من الله لمحمد صلى الله عليه وسلم بكلمة"أقرأ"، لأهمية القراءة والعلم في بناء ونهضة الأمم والإنسانية ..

ولقد أخبرت التوراة والإنجيل عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بشكل صريح تارة وبشكل فيه تعريض تارة أخرى:

ففي بشارة سفر العدد: ورد في قصة بلعام بن باعوراء أنه قال:"انظروا كوكبًا قد ظهر من آل إسماعيل، وعضده سبط من العرب، ولظهوره تزلزلت الأرض ومن عليها". . قال المهتدي الإسكندراني:"ولم يظهر من نسل إسماعيل إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، وما تزلزلت الأرض إلا لظهوره صلى الله عليه وسلم. حقا إنه كوكب آل إسماعيل، وهو الذي تغير الكون لمبعثه صلى الله عليه وسلم ، فقد حرست السماء من استراق السمع، وانطفأت نيران فارس، وسقطت أصنام بابل، ودكت عروش الظلم على أيدي أتباعه.".

وقد حُرف هذا النص في الطبعات المحدثة إلى:"يبرز كوكب من يعقوب، ويقوم قضيب من إسرائيل، فيحطم موآب، ويهلك من الوغى".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت