وقد استمرت المعركة تترى ، وتناقلها الأجيال ، يخلف الجيل الإسلامي جيل آخر ، فيحمل اللواء ويقود المعركة ، وأما العلمانية فخلف من بعدهم أيضا خلف أضاعوا الدين ، واتبعوا نفس أساليب الحرب التي استعملها أشياخهم ، ورؤوسهم ، فهم يظهرون العداوة تارة ، ويخفونها تارة ، ويمكرون مكرهم الخفي تارة ، ويعلنونه تارة ، ويدسون الكفر في كتبهم وعباراتهم ويسلكونه بخبث في عقول المسلمين ، وقد امتلأت عقولهم من الشبهات ، وقلوبهم من الغل على الاسلام:
يا قوم شاهدنا رؤوسكم على هذا ولم نشهده من إنسان
إلا وحشو فؤاده غل على سنن الرسول وشيعة القرآن
وهو الذي في كتبهم لكن بلطف عبارة منهم وحسن بيان
يامن يظن بأننا حفنا عليهم كتبهم تنبيك عن ذا الشان
فانظر ترى لكن نرى لك تركها حذرا عليك مصايد الشيطان
فشباكها والله لم يعلق بها من ذي جناح قاصر الطيران
إلا رأيت الطيرفي قفص الردى يبكي له نوح على الأغصان
ويظل يخبط طالبا لخلاصه فيضيق عنه فرجة العيدان
والذنب ذنب الطير أخلى طيب الثمرات في عال من الأفنان
وأتى تلك المزابل يبتغي الفضلات كالحشرات والديدان
ثم جاء جيلنا نحن ، فنحن في نعيش حلقة من حلقات الصراع ، ورأينا من أبناء العرب من ترك طيب الثمرات في عالي الأفنان ، وأتى مزابل هؤلاء العلمانيين يبتغي فضلاتهم ، وجندوا أنفسهم للانتصار للفكر العلماني ، وصارت هذه القضية هي أكبر معارك الثقافة والسياسة والاعلام والتعليم 00الخ ، نعيشها كل يوم بل كل ساعة .
وهي من أكبر قضايا العصر الذي نعيشه ، وهي أكبر أزمات الأمة في الوقت الراهن ، ومنها تتفرع كل الأزمات ، من التحاكم الى غير شريعة رب العالمين ، وتقديم تصورات البشر وأفكارهم وفلسفاتهم على الوحي الهادي الذي جاءت به الأنبياء ، قال تعالى ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) .
هذا هو تاريخ قضية الصحوة المعاصرة ، ومنه انحدر واقعنا المعاصر الذي نعيشه اليوم ، وإذا أردنا أن نفصل في طبيعة المعركة هذه الأيام ، ورجالها سنحتاج الى حلقات طويلة ، ويغنينا عن ذلك أنها أحداث نعيشها ، فمن يتابع صحفنا ، وإعلامنا ، ومؤسسات الثقافية ، وما يجري في عالمنا العربي ، والإسلامي على كل المستويات يرى بأم عينيه وقائع المعركة لاتخفى معالمها .
لاتزال الحرب تدور رحاها:
ولازالت الحرب دائرة رحاها ، لم تضع أوزارها ، ولن تضع أوزراها إلا إذا سقط أخر معاقل العلمنة ، وقام صرح الحكم بما أنزل الله تعالى في الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والحياة .
ونحو هذا الهدف تتحرك الصحوة الإسلامية المعاصرة ، واليه تزحف جيوشها ، ومن أجله تنشط جماعاتها بالدعوة ، وفي سبيل تحقيقه تنظم صفوفها ، وتتلقى الضربة تلو الأخرى ، وتسقط الضحايا ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا .
بل توالت الصفوف تنطلق الى أرض المعركة ، تحافظ على راية الجهاد مرفوعة ، لا يضعفون ، ولا يستكينون لكثرة الشهداء ، فالنصر وعد أكيد والعاقبة للمتقين .
والحرب مع العلمنة في العالم الإسلامي ، لم تضع أوزارها منذ أن هجمت جيوشها الغازية على بلادنا الإسلامية ، و الصحوة الإسلامية هي التي وقفت سدا منيعا في وجهها ، وخاضت معركة الاسلام ضد اعدائه.
وهي تتلقى الهجمات من جهتين:
جهة كاشفة عن مقصدها ، تحارب الدين وترفضه ، وتدعوا جهارا الى عزله عن الحياة ، وأهونهم شرا من يدعوا الى جعل الدين جزءا من تراث يقوم بدوره المحدد في الحياة .
وهم يزعمون أن قصدهم احترام الدين ، بدعوتهم إلى حصره في دائرته ، وعرف المتدينون حدودهم التي لا تتعدى المسجد ، والمناسبات الدينية الرسمية ، ومكتب المفتي الذي لا يتدخل في شئون الدولة وسياساتها في الحكم ، والاعلام ، والثقافة ،والعلاقات الداخلية والخارجية ، بل يكون كمنزلة البابا في دول الغرب يحترمونه ويعظمونه إذا بقي في اختصاصاته الطقوسية لا يتعداها .
وهم في الحقيقة لا يحترمون الدين بهذا الزعم ، ولا يوقرونه ، بل هم عازمون على قتله ومحوه ، وعلى القضاء عليه بمكر ، وخديعة ، وخبث ، لانهم يعلمون أن دين الاسلام ، دين الحياة ، إن عزل عنها انقرض مع الزمان ، فأحدثوا هذه الحيلة السخيفة .
وجهة أخرى تحارب الدين باسمه ، ترفع رايته تضليلا ، وتلبس العلمنة لباس الاسلام .
وهؤلاء كالذين يخرجون من حصن العدو ، الفينة بعد الفينة ، فيحملون المصاحف ، ليخدعوا أهل الجهاد ، ثم يندسون بين الصفوف داعين الى إلقاء السلاح ، معوقين عن الجهاد، فيشككون في الأهداف ، ويثبطون المسيرة .
وما أشبه ما يفعله محدَثوهم بما فعله متقدموهم ، فاقرءوا معي ما قاله الكاتب الإسلامي الجهبذ المجاهد محمد محمد حسين ، عن الدور الذي كان يقوم به الكواكبي يقول( وكلام الكواكبي هنا متأثر بما كان يذيعه ساسة الدول الاستعمارية عن الجامعة الإسلامية ، من تخيل الخطر الذي يهدد الغربيين في اجتماع كلمة المسلمين وارتباطهم برابطة الاسلام ، الذي يدعو الى مجاهدة غير المسلمين ، والذي يعتبر هذا الجهاد ركنا من أهم أركان الدين .
على أن الناظر في كلام الكواكبي يجده متأثرا بفكره البابا الذي اتخذ مقره في روما ، مهد المسيحية الأولى في أوربا ، والذي يرأس المجمع الدين ، ويتوج الملوك رعاية لسلطان الدين ، كما أن الناظر في كلامه يريبه ما فيه من تودد الى الدول المستعمرة ، ومن تهوين لوقوع الأمم الإسلامية تحت حكمهم ، وإسقاط فريضة الجهاد بعد أن فسرها تفسيرا غريبا )انتهى من كتاب الاتجاهات الوطنية .
فهذا الكواكبي كان منتسبا الى الدين ، وهو مع ذلك يأتي من القول الخطل ما يوقع بين المسلمين الفتنة ، ويحرض ضد اجتماعهم لانه يدعو الى عزل الدين ، ويهون وقوع الأمة في حكم الكافر ، ويضعف موقع الجهاد في الاسلام ، فهو يمهد الطريق للعلمنة ، ويعينها على بلوغ أهدافها في العالم الإسلامي ، وهكذا يفعل الأشباه ، عندما يهونون مقالة الكفر القائلة (الدين لله والحكم لقيصر) .
وعندما يدعون الى عزل الدعوة عن السياسية والواقع ، ويجعلون الجهاد الشرعي إفسادا ، ويدعون الى الحرب على دعاة الأمة والقضاء على الصحوة ، لأنها فرق ضالة أخطر من جيش العلمنة بأسره ، ويجعلون الحكم بغير ما أنزل الله (مجرد معصية ) ،والإمامة الحاكمة بالشريعة ما هي إلا فرع من فروع الدين لا تستحق كل هذا الاهتمام لاقامتها ، فيقلبون دفة المعركة ، بتهوين العلمنة ووقوع الأمة تحت حكم الكافر ،وتوجيه الحرب الى الصحوة نفسها ، ثم يزعمون حربا شرعية وجهادا مقدسا ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ، هؤلاء الأشباه إنما يمهدون بمثل تمهيد الكواكبي.
وما أحسن وصف الامام ابن القيم لحرب الكفار للإسلام ومواطئه من بداخل حصن الاسلام لهم ، في هذه الأبيات:
أرأيت هذا المنجنيق فانهم نصبوه تحت معاقل الإيمان
بلغت حجارته الحصون فهدت الشرفات واستولت على الجدران
لله كم حصن عليه استولت الكفار من ذا المنجنيق الجاني
ومن البلية أن قوما بين أهل الحصن واطوهم على العدوان
ورموا به معهم وكان مصاب أهل الحصن منهم فوق ذي الكفران
فتركبت من كفرهم ووفاق من في الحصن أنواع من الطغيان
وجرت على الاسلام أعظم محنة من ذين تقديرا من الرحمن
والله لولا أن تدارك دينه الرحمن كان كسائر الأديان
لكن أقام له الإله بفضله جندا من الأنصار والأعوان
فرموا على ذا المنجنيق صواعقا وحجارة هدته للأركان