جهلا وتجيهلا وتلديسا وتلبيسا وترويجا على العميان
تحمون ملك كبيركم وإلهكم كي تحصلوا فيه على سلطان
وبحقنا نحمي الهدى ونذب عن سنن الرسول ومقتضى القرآن
وقد كان من أوائل مهندسي موقع العدو في أوائل أيام المعركة ، هو ( كرومر ) وقد تخرج على يده تلامذة على صنفين ، صنف يقاتل الاسلام علنا ، وصنف يلبس هذه الحرب لباس الدين ليزين العلمنة للمسلمين.
وأُلّفت كتب خطيرة في ترويج العلمنة وتلبيسها لباس الاسلام منها ( الاسلام وأصول الحكم ) لعلي عبدالرازق في ناحية التشريع الإسلامي وحاصله أن الحكم بما أنزل لله تعالى ليس من مهمات الدين ، ولا يجب الالتزام بها دينا وشرعا في كل شيء ، وانما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من باب السياسية التي ناسبت زمانه ، لا من باب النبوة والوحي الملزم .
ومنها ( في الشعر الجاهلي ) ( ومستقبل الثقافة في مصر) لطه حسين ، وحاصل ما كان يحوم حوله في هذين الكتابين ، أن الثقافة الإسلامية وان استندت في ناحية منها الى الوحي ، حتى لو كان القرآن ، فان شأنها شأن غيرها من الثقافات ، يجب أن تخضع لمعايير العلوم الحديثة.
ومنها كتاب ( تحرير المرأة ) وحاصله تغريب حياة المرأة ، وقد فتح الباب لهذا الشر فدخل منه العجب العجاب ، ومنها كتاب ( اليوم والغد ) لسلامة موسى ، وكان هذا المخذول ، صريحا جريئا على الله ودينه ، يشن غارته على الاسلام في وضح النهار جهارا .
وأبطلت هذه الكتب بكتاب جليل عظيم القدر جدا ، وهو كتاب ( النكير على منكري النعمة ) لمصطفى صبري ، وكتاب ( الخلافة أو الإمامة العظمى ) لمحمد رشيد رضا .
وكان هذا الأخير أهم كتاب ظهر في هذه الفترة ، بين فيه أن الحكم بالشريعة في نظام حكم إسلامي ( الخلافة ) هو حجر الزاوية في انتظام شؤون المسلمين ، وقيام شريعتهم ، وسلامة دينهم ، وتماسك بنيانهم واجتماع كلمتهم ، وبين فيه أن نهضة المسلمين إنما تتوقف على القامة الخلافة الإسلامية ، ذلك أن كتاب على عبدالرازق ، بني على تهميش دور الإمامة الحاكمة بالشريعة ، واقصائها من أن تكون من مهمات الدين ، فكان كتاب رشيد رضا مفندا لمافيه قبل صدوره ، وغالب مافيه مادة جيدة مبنية على أصول شرعية صحيحة ، وان كان فيه ما يستدرك فالكمال عزيز .
وأما كتاب مصطفى صبري ، فكان ردا على كتاب صدر بالتركية وترجم الى العربية بعنوان ( الخلافة وسلطة الأمة ) ألفته لجنة من الترك بإشارة من الكماليين ( وهم الذين دبروا سقوط الخلافة وعلمنة تركيا ) ويهدف هذا الكتاب الى مثل هدف كتاب على عبدالرازق ،وهو إيجاد سند شرعي بالزور ، والباطل ، والكذب ، واتباع المتشابهات ، لما فعله مصطفى كمال من إقصاء الخلافة ، واقامة الحكم العلماني ، وقد رد عليه مصطفى صبري ردا بليغا قويا محكما وكان لكتابه أثر عظيم في الدفاع عن منزلة الإمامة الشرعية في الاسلام ( الخلافة ) وأن الحكم والسياسية جزء مهم من الدين.
وحذر علماء المسلمين من مكائد الداعين الى عزل علماء الاسلام عن السياسة بالخديعة والمكر ، ومن أجزل ما فيه من القول البليغ قوله رحمه الله:
( والذين جردوا الدين في ديارنا عن السياسة كانوا هم وإخوانهم لا يرون الاشتغال بالسياسة لعلماء الدين ، بحجة أنه لا ينبغي لهم وينقص من كرامتهم ، ومرادهم حكر السياسة وحصرها لانفسهم ، ومخادعة العلماء بتنزيلهم منزلة العجزة ، فيقبلون أيديهم ، ويخيلون لهم بذلك أنهم محترمون عندهم ، ثم يفعلون ما يشاؤون بدين الناس ودنياهم ، محررين عن احتمال أن يجيء من العلماء أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، إلا ما يعد من فضول اللسان ، أو يكمن في القلب ، وذلك أضعف الإيمان ، فالعلماء المعتزلون عن السياسة ، كأنهم تواطأوا مع كل الساسة ، صالحيهم وظالميهم ، على أن يكون الأمر بأيديهم ويكون لهم منهم رواتب الإنعام والاحترام ، كالخليفة المتنازل عن السلطة وعن كل نفوذ سياسي ) ، هذا بعض قوله ، فلله دره ما أجزل وصفه وأبلغه ، وكأنه يعيش بيننا ويرى بعينيه حالنا 0
وألف مصطفى صادق الرافعي كتابه ( بين القديم والجديد ) وكان في جله غارة على كتاب طه حسين ( مستقبل الثقافة ) الذي سلك فيه مسلك الخداع والدهاء بعد الهجوم الذي تعرض له اثر كتابه ( في الشعر الجاهلي) .
وقد دمرت هذه الغارة الرافعية أيضا كتاب ( اليوم والغد ) لسلامة موسى الذي يدعو فيه صراحة الى ( أن يكون التعليم أوربيا لاسلطان للدين عليه ) بل يدعوا الى اقتلاع ما في ثقافتنا من ( أثار العبودية والذل والتوكل على الآلهة ) كما زعم ، في هجوم صريح على الدين ، غير أن كتاب طه حسن كان أشد منه ، ودعى فيه الى حمل مصر على الحضارة الغربية وطبعها بها ، وقطع ما يربطها بقديمها وبإسلامها .
ومقابل ما كانت تدعو إليه مجلات العلمنة ، والتغريب ، كالمقتطف والسياسة ، وغيرها من الارتماء في أحضان الغرب ، كان العلماء والمفكرون والدعاة الإسلاميون يجابهون هذه الحرب الضروس بكل قوة ، وكان من قادة المعارك الأبطال في ذلك الوقت شكيب أرسلان ، ومحب الدين الخطيب ، إضافة الى من تقدم .
ودارت رحى المعركة سنين طويلة ، كانت محورها هو الدفاع عن موقع الاستسلام لاحكام الله تعالى والوحي في هذا الدين ، ضد من كان يريد أن يجتال الناس عن هذا الموقع ، ويجعل في محله الانقياد لاحكام وشريعة وأفكار البشر من ملاحدة الكفار ، الذين أشرت الى أسماء شيوخهم من الأوربيين في صدر هذا المقال ، جعلوهم أربابا من دون الله تعالى يقدمون قولهم على قول الله تعالى ، وشريعتهم على حكمه جل وعلا .
وجاء بعد هذا الفوج من العلماء والدعاة الذين وقفوا في وجه العلمنة ، أفواج وأفواج ، منهم علماء الطريقة السلفية كأحمد شاكر وحامد الفقي وغيرهما كثير داخل مصر وخارجها وقد قدمتهم في مقال سابق ، من أبرز الأبطال محمد محمد حسين رحمه الله تعالى ، ومحمود شاكر ، وأبو الحسن الندوي وغيره من القارة الهندية ، ومنهم الكتاب والمفكرون والأدباء والشعراء الإسلاميون .
وفي خضم المعركة ألف سيد قطب رحمه الله كتاب الظلال ، وغيره من الكتب وكانت غالب كتبه لاسيما المتأخرة منها ، هجوما كاسحا على معاقل العلمنة ، وقد ضرب القوم ضربات مدمرة إلا أن السيف نبا نبوات والله يغفر له ، وقد جمع بين جهاد الكلمة وجهاد النفس ، وشكر موقفه آنذاك أهل العلم ممن كان يعلم طبيعة الحرب التي كان يجابهها والعدو الذي كان يحاربه .
وقد انتشرت الحرب الى جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي وتواجه الفريقان في كل قطر ، فريق يدعوا الى التحاكم الى الله تعالى ، وشريعته ، وفريق يدعوا الى العلمنة واللادينية .
وقد شارك في محاربة العلمنة من لا يحصيهم إلا الله تعالى من أعضاء الجماعات الإسلامية ، كـ (الإخوان المسلمون) ، وغيرهم من الدعاة المسلمين في جماعات الدعوة المعاصرة ، إما بالرد عليهم مباشرة ، وأما بالدعوة الى هذا الدين ، واقامة شرائعه ، واظهار معالمه في نواحي الحياة كلها ، وان كانت ناحية الأحكام والتشريع والقضاء قد حماها العدو وأحكم حصارها ، لانه يعلم عظم منزلتها وخطورة أمرها .