عبّر طه حسين في فترة مبكرة عن إيمانه بضرورة الاقتباس عن أوروبا بحكم الضرورة والحاجة للمنافع المتحققة عن ذلك. ولكن هذا الاقتباس، يجب أن يتفاوت قلّة وكثرة، يُحبّذه في النظم السياسية الدستورية، وفي المنهج العلمي الغربي، لكنه لا يحبذه"في الفن والأدب والحياة الاجتماعية، فلنا فنوننا وآدابنا ونظامنا الاجتماعي وواجبنا هو أن نحتفظ بشخصيتنا قوية واضحة في هذه الأشياء، وألا نقتبس من أدب الغرب وفنه ونظامه الاجتماعي إلا ما يمكّن شخصيتنا من أن تنمو وتتطور، وتحتفظ بما بينها وبين العالم المتحضر من الاتصال" (142) ، لكن طه حسين سوف يتخلى عن هذا الموقف المعتدل.
إذ إنه ينادي -بما نادى به الخديوي إسماعيل- بجعل مصر جزءًا من أوروبا، وتبرير الدعوة إلى التغريب هو"الاضطرار"لننال إكبار الأمم لنا !!
ولنظفر باستقلالنا عن انجلترا وفرنسا، وشرط ذلك أن نعيش عيشتهما ليطمئنا إلى ما نطلب من استقلال، ونحن مضطرون لذلك للتخلص من الامتيازات الأجنبية، فيجب أن نعيش عيشة الأجانب ليطمئنوا إلى إلغاء الامتيازات ! ونحن مضطرون لاتخاذ أسباب الحياة الحديثة أيضًا (143) .
وقد تبنى د. منصور فهمي الدفاع عن"مشخِّصات الشرق"ويقصد بها عناصر هويته، وقيمه وعاداته وتقاليده، وينادي بالصمود في مواجهة الاجتياح الثقافي الغربي، ويحذر"الشرقيين"من أن يطغى سيل الغرب"على ما لهم من بعض مشخصات، لا تعطل في شيء سير الترقي والتقدم" (144) .
وينادي د. منصور فهمي بضرورة الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية، وهو لا يتفق مع نزعة أولئك"الذين يريدون أن تكون الإنسانية كتلة متشابهة في أساليبها وتفكيراتها وعواطفها" (145) .
وهذا تحذير مبكر من مخاطر"العولمة الثقافية، التي تستهدف سحق كل الخصوصيات الثقافية للشعوب لصالح سيادة الثقافة الغربية."
ويوضح مصطفى عبدالرازق رؤيته لمفهوم الاقتباس وغاياته، معلنًا أن دعوته للاقتباس لا تستهدف جعل مصر قطعة من أوروبا، بل أن تظل مصر قطعة من إفريقية، متصلة بآسيا على أن تزاحم الغرب بالمناكب، في كل ما وصل إليه الغرب من علم ومدنية ورقي، ويريد من مصر"أن تقتبس أصول المدنية الغربية وتتشربها تشربًا، لا أن تلبسها ثوبًا معارًا"، وأن تحافظ على"جوهر مشخصاتها"، وهي عنده اللغة والدين شريطة"أن يخضعا لسنة الله، في هذا العالم، وسنة الله في هذا العالم أن يتحرك كل شيء وأن يتطور" (146) !!
ويرفض د. منصور فهمي اقتباس"مظاهر المدنية التي ليست وليدة العقل والعلم" (147) ، ويؤكد على رفض ما ينادي به التغريبيون باتخاذ"الغرب إمامًا يأتمون به في كل أمر، ويصطنعوا كل مظاهر حضارته من غير تحفظ" (148) .
ود. منصور فهمي يعالج مسألة في غاية الأهمية، عندما يرفض الانغلاق، وينادي بالاقتباس الواعي، وفي نفس الوقت يرفض اتخاذ"الغرب إمامًا"، وملخص موقفه هو التأكيد على أهمية معرفة ماذا نأخذ؟ وماذا ندع؟ من حضارة الغرب، لكنه يشكك في مقدرتنا على الاختيار في عملية التفاعل الحضاري، فهي -عنده- عملية معقدة، تخضع لمحدودية الإرادة البشرية، وتحتكم لأثر البيئة وعدد من العوامل النفسية والاجتماعية، فهي ذات"أثر لا يُقاوم في تكييف الحضارات واصطناعها وفي تصوير الثقافات"، ولذلك كله"لا قدرة لشعب أن يكون كشعب آخر في كل حضارته، وكل ثقافته" (149) .
لكن الساحة الليبرالية عرفت أصواتًا متطرفة، تدعو إلى رفض الانتقاء في عملية التواصل الحضاري مع الغرب، بل وإلى رفض فكرة التوفيق بين ما لدينا وما عندهم، فهذا محمود عزمي يقول:"أنا من الذين ينادون بملء فيهم بضرورة الأخذ من المدنية العصرية، وهي الحضارة الغالبة وبأن الخير كل الخير في شخوص الكتلة الشرقية المتكلمة لغة عربية (150) ، إلى شواطئ البحر المتوسط الشمالية الغربية، وبأن كل نظرة إلى رمال التيه والبادية إنما تكون نكوصًا على الأعقاب في ميدان الجهاد، الذي يسير فيه العالم سيرًا هائل السرعة إلى الأمام" (151) !!
هذه الدعوة إلى القطيعة مع الذات، والفناء في الآخر، يتبناها"عميد الأدب العربي !"في كتابه"مستقبل الثقافة في مصر"الصادر عام 1937م، فقد حدد هوية مصر الثقافية على أنها جزء من ثقافة البحر المتوسط، وأنها جزء من"الغرب الثقافي"، وليست من"الشرق الثقافي" (152) ، وأن العقل المصري جزء من أسرة الشعوب التي عاشت حول بحر الروم (153) .
والخلاصة -عنده-"إنما كانت مصر دائمًا جزءًا من أوروبا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية، على اختلاف فروعها وألوانها" (154) .
وهذا"التغريب"يجري تسويقه من قبل د. طه حسين، بالقول أنه وسيلة وليس غاية، وسيلة للنهوض ولتحقيق الحرية والاستقلال، باتباع الوسائل التي أوصلت الغربيين لتحقيق الاستقلال والكرامة (155) ، كما يجري تسويقه بتلميع حضارة الغرب، والتأكيد على تفوقها"ودليل ذلك أنها ترتقي" (156) ، كما يسعى إلى بث الطمأنينة في النفوس المتخوفة من مخاطر الاغتراب الثقافي والاقتلاع من الجذور، فيشير إلى"التجربة اليابانية". وعليه فلا خوف على"الشخصية المصرية"إذ لم يكن على الشخصية اليابانية خطر من الحضارة الحديثة" (157) ."
إذًا ما هو المطلوب؟ المطلوب"أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرّها، وما يحب منها وما يكره وما يُحمد وما يُعاب" (158) فالمطلوب هو التبعية على أساس الندّية!!، لكنه لا يوضح لنا كيف تكون التبعية طريقًا للندية؟ أو كيف تؤسس الندية على ركام التبعية؟ مع أنه يقول صراحة:"نريد أن نتصل بأوروبا اتصالًا يزداد قوة من يوم إلى يوم، حتى نصبح جزءًا منها لفظًا ومعنى وحقيقة وشكلًا" (159) .
وكان قد جرى"تسويق"التغريب، بأنه يعفينا من الصدام الحضاري مع الغرب، يقول أحدهم على صفحات"المقتطف"؛"نحن من الذين يعتقدون أن الحضارة الغربية خير الحضارات التي يتعين علينا اقتباسها، كما أننا من الذين ينظرون إلى الأمر الواقع فيرون أنها هي الحضارة السائدة في العالم، ونحن من الذين يعتقدون أن طريق نجاتنا في مسالمة هذه الحضارة وتكييف حضارتنا عليها تكييفًا لا يناقضها بل يماشيها.. ذلك أن التاريخ يقص علينا قصص اصطدام الشرق بالغرب منذ العصور الأولى حتى الساعة ، فما قص إلا حديث اصطدام كانت نهايته انهزام الشرق أمام الغرب، فالعاقل من اعتبر وعرف أن يتلمس طريقًا غير طريق جربه فقاده إلى مواطن الخطر" (160) !! وبعيدًا عن سعيه للتبرير التاريخي للتغريب، فإن الدعوة إلى تجنب الصدام الحضاري هي دعوة ليست إلى الحوار الحضاري الذي لا يرفضه عاقل، لكنها دعوة إلى حوار التبعية وليس الندّية.
وفي عقد الثلاثينيات ظهرت في مصر موجة من المراجعات الفكرية في صفوف التيار الليبرالي، طالت عددًا من أبرز رموزه، كان من مظاهرها توجيه نقد لاذع لحضارة الغرب ولحركة التغريب.
وفي طليعة"المراجعين"هؤلاء كان د. هيكل، الذي عبّر عن قناعته بأن الغرب غير مخلص لقضية"الحرية"، وأن قضيته هي"الاستعمار"، ويشير إلى سياسات التعليم التي اتبعتها بريطانيا في مصر كمؤشر على حقيقة نوايا الغرب، فلم تهدف إلى شيء سوى تخريج مواطنين مطواعين، كما أنها وقفت حائلًا دون سرعة انتشار العلم الصحيح.